kayhan.ir

رمز الخبر: 227319
تأريخ النشر : 2026July25 - 22:14

المنطقة بانتظار المواجهة الكبرى !

 

د. عدنان منصور

من تتبّع الحرب الأميركية الثانية على إيران التي بدأت يوم 28 شباط/ فبراير 2026، وما رافقها من مفاوضات أدّت إلى وقف إطلاق النار في المنطقة، بعد موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مذكرة التفاهم التي تمّت برعاية باكستانية قطرية، وما دار حولها، وما تضمّنته من بنود أصرّت عليها إيران، كان على يقين مسبق بأنّ الرئيس ترامب وقّع شكلاً على مذكرة التفاهم، وهو يُخفي في داخله ما يعطّل تنفيذ المذكرة نصاً وروحاً، واللعب على بنودها التي يرى فيها حمّالة أوجه. لذا كان يترقب فرصة الانقضاض عليها، متذرعاً بحجج وتفسيرات لا تعكس حقيقة ما تضمّنته المذكرة، لا سيما بعد فشله ومعه وجهه الآخر نتنياهو، في تحقيق هدفهما الاستراتيجي من العدوان على إيران، وهو القضاء على النظام الإيراني، وبرنامجه النووي السلمي، وإزالة مخزون اليورانيوم المخصب، وتدمير ترسانة الصواريخ الباليستية.

رغم استهداف العدوان الأميركي ـ “الإسرائيلي” حياة مرشد الثورة، ومسؤولين سياسيين وعسكريين كبار، ورغم العمليات العسكرية الأميركية التي بدأت يوم 28 شباط/ فبراير الماضي، بالتزامن مع إعلان وزير الدفاع “الإسرائيلي” كاتس بدء الضربة الاستباقية بمشاركة “إسرائيل” مباشرة فيها، والتي استهدفت مواقع مدنية وعسكرية، وإلحاقها خسائر فادحة في الأرواح والبنى التحتية الإيرانية، لم يمنع ذلك إيران من أن تستوعب الضربات الاستباقية بسرعة، وتستعيد بعد يومين المبادرة لمواجهة العدوان، وضرب القواعد العسكرية الأميركية على امتداد الخليج مباشرة، وأيضاً المراكز والمنشآت العسكرية في “إسرائيل”.

رغم التفوق التكنولوجي العسكري الأميركي، فإنّ صمود إيران اللافت، ونقل عملياتها العسكرية إلى خارج أراضيها، وتوجيه ضربات موجعة لثنائي العدوان، جعلها تحبط أهداف ترامب ـ نتنياهو؛ إذ إنه بعد أربعين يوماً من حربهما، لم يحققا الهدف من عدوانهما، فكان لا بدّ لترامب من القبول بمذكرة التفاهم على مضض، ووقف العمليات العسكرية مؤقتاً، بعد أن اشتدّت معارضة الحرب داخل الولايات المتحدة، وخرجت أصوات من الكونغرس تطالب بوقف العمليات العسكرية، بالإضافة إلى تصاعد الاحتجاجات في العالم ضدّ الحرب التي ألحقت خسائر كبيرة طالت معظم اقتصادات دوله.

ترامب وإنْ قبل بمذكرة التفاهم، إلا أنّ شريك العدوان نتنياهو اعتبرها سيئة لأنها لبّت مطالب طهران. بذلك استطاعت إيران، بشهادة وتقييم المراقبين السياسيين والعسكريين والخبراء الاستراتيجيين في العالم، أن تحقق انتصاراً استراتيجياً، بعد أن فشلت واشنطن وتل أبيب في تحقيق أهدافهما الفعلية من الحرب.

لم تكن مذكرة التفاهم نهاية المطاف، بل كانت بحاجة إلى مصداقية أميركية شفافة، وإلى إرادة حقيقية لتنفيذها على الأرض، وهذا لم يتقبّله نتنياهو وحلفاء واشنطن وتل أبيب، بعد أن لمسوا أنّ إيران خرجت من الحرب أكثر وحدة، وتماسكاً، وعزيمة، وقوة، وإصراراً، وتمسكاً بحقوقها.

لم يصبر ترامب طويلاً بعد توقيع مذكرة التفاهم ووقف العمليات العسكرية، ليستأنف الحرب مجدداً يوم 7 تموز/ يوليو 2026، بذريعة استهداف طهران لسفن في مضيق هرمز، متجاهلاً التزام الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار في المنطقة وفقاً لما جاء في البند الأول من المذكرة، وأيضاً رفع العقوبات تدريجياً عن إيران، وتحرير جزء من أموالها المجمّدة في الخارج، مما دفع بطهران إلى تعليق التزاماتها بالاتفاق بشكل كامل.

ترامب يريد أن يخرج من الحرب بانتصار لم يستطع تحقيقه، ويسجله لنفسه، ويعزز بالتالي موقعه داخل الولايات المتحدة، خاصة أنه على بعد أشهر قليلة من الانتخابات النصفية للكونغرس الذي شهد احتجاجات على استئناف العمليات العسكرية دون الرجوع إليه، متذرّعاً بصلاحياته الدستورية المعطاة له.

كان ردّ القيادة الإيرانية على العدوان المتواصل ضدّ إيران هو إغلاق مضيق هرمز بالكامل، مع ما يتبعه من خسائر فادحة بالاقتصاد العالمي، إضافة إلى استهداف القوات العسكرية الإيرانية للقواعد الأميركية بكلّ قوة، ما جعل ترامب يذهب بعيداً في تصعيد عملياته العسكرية، لأنه لا يتحمّل مرة أخرى ما يحول دون تحقيق هدفه الكامل من حربه على إيران.

أمام صمود طهران، وعجز ترامب عن تحقيق كلّ ما يريده منها عن طريق القوة العسكرية، نراه يجنح نحو توسيع إطار الحرب، وتصعيد العمليات العسكرية التي قد تشعل لهيبها المنطقة بأسرها.

يمكن القول إنّ رقعة المواجهة الإقليمية تتوسع، مقارنة بـما كانت عليه في الأشهر السابقة، بسبب تمدّد وتوسع دائرة الاشتباكات جغرافياً، ليلحق بها اليمن الذي اتخذ قراره بإقفال مضيق باب المندب أمام السفن السعودية، مما يسخن الجبهة السعودية اليمنية، ويوسع دائرة المواجهة العسكرية إلى أبعد من مياه الخليج والقواعد العسكرية المنتشرة على طول شاطئه الغربي.

إذا ما توسعت دائرة العمليات العسكرية، فإنّ حرباً شرسة ستطال دول المنطقة، لذلك بدأت القنوات الدبلوماسية والوساطات تتحرك بهدوء وبصمت، وتقوم بدور حثيث للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، واستئناف المفاوضات مجدّداً بين واشنطن وطهران، وهي مفاوضات لا ترفضها إيران، لأنّ توسيع دائرة الحرب سيلحق خسائر فادحة بجميع الأطراف، بشرياً، ومالياً، واقتصادياً، وتجارياً، وبالذات بدول العالم التي تعاني من تأثير الحرب عليها، جراء إغلاق المضيق، وتوقف تصدير الطاقة وسلاسل التوريد التجارية والإمدادات.

في الوقت الذي تقف فيه معظم دول منطقة غربي آسيا على حافة الهاوية، نجد واشنطن تستخدم كلّ ما لديها من قوة وضغوط بغية تثبيت نفوذها، وتعزيز مواقعها الاستراتيجية.

يبدو أنّ ترامب مصمّم على الذهاب بالحرب حتى النهاية، وإنْ أدّى الأمر إلى إلحاق الدمار بإيران، وهو الذي صرّح يوماً بما لم يصرّح به أحد من القادة عبر التاريخ بقوله جهارة، عندما هدّد إيران من على منصته الرسمية للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال” (Truth Social): “حضارة بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبداً، لا أريد ذلك، لكنه على الأرجح سيحدث”. تهديد ترامب لقيَ انتقاداً حاداً في كافة أنحاء العالم، وأثار قلق مساعديه ومؤيديه، فيما وصف نواب ديمقراطيون في الكونغرس مثل ستيف كوهين، ونانسي بيلوسي، تصرفات ترامب وسلوكه بـ “المختلّ وغير المتزن” وطالبوا بتفعيل التعديل الخامس والعشرين لعزله.

هل سيستمرّ ترامب بمغامرته العسكرية وسياساته الخطيرة، ويجرّ معه نتنياهو إلى الحرب، أم أنه سيتيح الفرصة للدبلوماسية البنّاءة في احتواء التصعيد والعودة إلى مذكرة التفاهم، لا سيما أنّ الاستطلاعات الأميركية تشير إلى أنّ 66% من الأميركيين يؤيدون العودة إلى مذكرة التفاهم للعمل بها؟!

يبدو وللأسف أن مفهوم السلام عند ترامب ماركة مسجلة لا مثيل لها، فهو يريد تحقيقه عبر القوة، دون الأخذ بالاعتبار أنّ القوة قد تفرض الأمر الواقع مؤقتاً، لكنها لا تجلب السلام الدائم. هل يأخذ الرئيس ترامب العبرة من دروس التاريخ القديم والحديث، أم أنه مُصرّ على تحقيق السلام في العالم من خلال الإطاحة بأنظمة ودول وحضارات؟!

الرئيس ترامب ظاهرة استثنائية غريبة في تصرفاتها وتصريحاتها، لم تشهد مثله الولايات المتحدة منذ بطل استقلالها جورج واشنطن وحتى اليوم!

مشكلة الرئيس ترامب أنه اصطدم بشعب من نوع آخر، لم يعرفه عن قرب، ولا يعرف تاريخه وشجاعته وحضارته الراسخة المتجذرة في عمق التاريخ، التي أراد ترامب موتها، والتي عرفها العالم قبل اكتشاف القارة الأميركية بـ 2200 سنة!

أما نتنياهو، حليف ترامب في الحروب، فلا يناسبه مطلقاً وقف إطلاق النار، بل يريد أن تلتهب المنطقة بكلّ ما فيها، ولا أسفاً منه عليها. لذلك يدفع ويشجع ترامب على تصعيد الحرب أياً كانت تداعياتها على شعوب المنطقة.

على العرب أن يدركوا اليوم ما جلبته القواعد العسكرية الغربية من أخطار على الأمن القومي العربي، وأنها لم ولن توفر لهم ولدولهم السيادة والسلام والأمان والاستقرار!

السلام العادل لا يأتي من واشنطن وتل أبيب، وليست الولايات المتحدة مؤهّلة لحماية الأمن القومي لدول المنطقة وشعوبها، وتوفير السلام لها. الذي يحمي المنطقة هم قادتها مجتمعين إنْ عزموا، فهم الأولى بحفظ سيادة بلادهم، وتحقيق السلام، والاستقرار، والأمن لدولهم وشعوبهم!

هل يأخذ القادة العرب العبرة من حروب أميركا و”إسرائيل” على دول المنطقة، ومعرفة مَن هو الرابح والخاسر، ومن هو في نهاية الأمر الصديق والشقيق والعدو الفعلي…؟!

captcha