كيف تحولت جولة هرمز إلى حرب إيرانية خليجية؟
ناصر قنديل
لم تتحول الجولة الجديدة من الحرب الأميركية على إيران إلى حرب إيرانية خليجية لمجرد أن طهران صبّت غضبها على دول الخليج(الفارسي) أو استهدفت القواعد الأميركية الموجودة فيها. التحول أعمق من ذلك؛ لأن إيران تنظر إلى الموقف الخليجي باعتباره أحد العاملين اللذين مكّنا الجناح الأميركي الأكثر تماهياً مع بنيامين نتنياهو من الانقلاب على مذكرة التفاهم وإعادة تفسيرها بالقوة، بعد محاولة الإمساك بورقتي لبنان ومضيق هرمز.
بدأ المسار مع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية المعلنة في 17 حزيران، حيث نصت الفقرة الأولى على الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، وضمان سيادته ووحدة أراضيه. أما الفقرة الخامسة فنصت على التزام إيران باتخاذ الإجراءات والترتيبات اللازمة لتأمين المرور التجاري المجاني في هرمز مدة ستين يوماً، ثم الدخول في حوار مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبليّة والخدمات البحريّة في المضيق، بالتشاور مع الدول المشاطئة ووفق القانون الدولي والحقوق السيادية لدولتي المضيق.
ولم تتضمّن المذكرة التزاماً إيرانياً بالتفاوض حول الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو العلاقة بقوى المقاومة. بل إن الرئيس دونالد ترامب كان قد ميّز بين السلاح النووي، الذي يرفض امتلاك إيران له، والصواريخ الباليستية التقليدية، متسائلاً عن سبب منعها منها فيما تمتلكها دول أخرى. وكانت دول الخليج(الفارسي) قد رحبت بالمذكرة وشجعت توقيعها باعتبارها طريقاً إلى وقف الحرب وفتح هرمز.
لكن مؤتمر المنامة في 25 حزيران، أي بعد أسبوع فقط على توقيع المذكرة، برئاسة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أنتج موقفاً مختلفاً أقرب إلى الانقلاب على المذكرة، حيث أعلن البيان أن السلام الإقليمي يستوجب معالجة «كامل طيف التهديدات الإيرانية»، محدداً الصواريخ الباليستية والمسيّرات ودعم قوى المقاومة التي وصفها بالوكلاء. وجعل أي تجارة أو استثمار مع إيران مشروطاً وقابلاً للتراجع، وطالب بحرية ملاحة غير مشروطة في هرمز، رافضاً الرسوم أو أي محاولة إيرانية للتحكم بالعبور، ومرحباً بفتح عُمان ممراً إضافياً أمام السفن، تمهيداً لظهور مشروع الممر العُماني المنفصل عن التنسيق مع إيران والمبطل للقيمة الاستراتيجية لمضيق هرمز بالنسبة لإيران كواحد من أهم إنجازات المذكرة بالنسبة لإيران.
هنا حضر نتنياهو عبر روبيو. فقد انتقلت عناوينه الثلاثة، الصواريخ والمسيّرات والمقاومة، إلى بيان خليجي أميركي صدر بعد أسبوع من توقيع مذكرة تجاوزت هذه الملفات. ولم يقتصر دور مؤتمر المنامة على توفير الغطاء للممر العُماني، بل امتد إلى لبنان. فقد رحّب البيان بالمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية ودعا إلى نزع سلاح القوى غير الحكومية، وفي اليوم التالي، 26 حزيران، وقعت السلطة اللبنانية اتفاق الإطار مع “إسرائيل” والولايات المتحدة.
لا يمكن فصل التسلسل الزمني عن مضمونه السياسي. فلولا المساندة الخليجية والتشجيع، وصولاً إلى طلب إنجاز الاتفاق بعد اجتماع المنامة، لما تجرأت السلطة اللبنانية على الذهاب إلى هذا الحد في تلبية مطالب نتنياهو، بعدما انتقلت من المطالبة بأولويّة الانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط قبل أي بحث بمستقبل سلاح المقاومة، إلى أولوية نزع سلاح المقاومة كشرط لإعادة انتشار قوات الاحتلال بدلاً من انسحابها. كما ربط الاتفاق عودة السكان والإعمار بنجاح «المناطق التجريبية»، ومنح “إسرائيل” دوراً في تقرير الانتقال من منطقة إلى أخرى، من دون جدول ملزم للانسحاب أو وقف الاعتداءات.
استطاعت واشنطن الادعاء بأن بند لبنان الوارد في مذكرة التفاهم قد نُفّذ، وصارت الحرب هناك في عهدة خارطة طريق لبنانية إسرائيلية متفق عليها، رغم أن الاتفاق قلب ترتيب المذكرة، وبدلاً من وقف الحرب وضمان السيادة، أصبح إنهاء الاحتلال نتيجة محتملة لنزع السلاح وقبول “إسرائيل” بنتائج التحقق.
أما الفرع الثاني للخطة فكان الممر العُماني. ووظيفته ليست إضافة مسار تقني لتسهيل الملاحة، بل إبقاء العبور قائماً وآمناً في ممر ثانٍ في المضيق، عند أي تطور يدفع إيران إلى إغلاق الممر المحاذي لضفتها. وعندئذ يصبح إغلاق الممر الإيراني محدود الأثر ما دام الممر العُماني مفتوحاً ومحميّاً أميركياً، فتفقد إيران أهم عناصر القيمة الاستراتيجية لهرمز، وتعجز عن نقل تكلفة الحرب عليها إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
قد يسأل البعض: لماذا يحقّ لإيران ما لا يحق لعُمان؟ أليست ممارسة مسقط سيادتها على مياهها حقاً مشروعاً؟ والجواب أن إيران لم تنكر السيادة العُمانية، بل أصرّت على أن هرمز مضيق ثنائي السيادة، إيراني عُماني، يُدار بالشراكة لا بالقسمة. ولو كانت وظيفة الممر العُماني تقنية أو تجارية، لكانت أقصر الطرق تشكيل لجنة مشتركة تنسق معها السفن للعبور في أي من الممرين، مع احتفاظ كل دولة بسيادتها على مياهها، من دون إسقاط الوحدة الاستراتيجية لمضيق هرمز. لكن الإعلان عن ممر عُماني مستقل، بشروط عبور منفصلة وغطاء أميركي خليجي، يؤسس لنظامين داخل مضيق واحد، ممر إيراني تستطيع طهران إغلاقه، وممر عُماني يُراد بقاؤه مفتوحاً رغم إرادتها. وهكذا تتحوّل السيادة العُمانية من حق مشروع إلى أداة لإبطال المفعول الاستراتيجي للسيادة الإيرانية.
يفضح التوقيت الوظيفة السياسية. فلماذا إعلان الممر بعد أسبوع فقط من وقف الحرب، بينما حددت المذكرة مهلة ستين يوماً؟ كان ممكناً أن يسير خلالها العمل على مسارين متوازيين: تفاوض إيراني عُماني على إدارة المضيق بالشراكة، وتفاوض أميركي إيراني على الاتفاق النهائي والملف النووي. ولو لم تكن للممر وظيفة استراتيجية، فما الذي منع انتظار انتهاء المهلة؟ ولماذا استباق الحوار وفرض أمر واقع قبل بدئه دون أي تشاور أو تنسيق مع الشريك المفترض الذي قرأ بيان المنامة وتبلغ منه كأنه طرف غريب وجود مسار عُماني منفصل؟
هكذا جمع مؤتمر المنامة غطاء بحرياً لتجريد إيران من هرمز، وغطاء عربياً لتمكين السلطة اللبنانية من توقيع اتفاق يتيح الاستفراد بالمقاومة. وفي الحالتين كان نتنياهو حاضراً عبر روبيو. وربما هذا يفسر لماذا تستثني إيران “إسرائيل” من ردها؟ لأن إسقاط الخطة الإسرائيلية يتمّ في هرمز. فإذا عُطّل الممر العُماني سقط الفرع الخليجي، وعادت كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، وسقط معها إمكان الاستفراد بلبنان، ليعود بند وقف الحرب والانسحاب إلى التفاوض الأميركي الإيراني. أما صبّ الغضب على “إسرائيل” فهو ما ينتظره نتنياهو، لأنه يوسّع الحرب ويجعل “إسرائيل” شريكاً مباشراً في تحديد مصيرها وشروط وقفها. بينما تبدو واشنطن أنها لا تزال تريد الحرب أداة ضغط تحت سقف تفاوضي، بينما يريدها نتنياهو حرباً مفتوحة بلا حدود. لذلك لا تعفي إيران “إسرائيل” من المسؤولية، بل تحرمها من الجائزة: دخول الحرب شريكاً في تقرير نهايتها.
المعادلة الإيرانية هي إسقاط الخطة حيث تقوم ركائزها، لا حيث يريد مصممها. فإذا استعادت إيران ورقة هرمز، عاد لبنان بنداً تفاوضياً لا ملفاً إسرائيلياً محسوماً. ومن هنا صارت الجولة حرباً إيرانية خليجية، لأن الخليج(الفارسي) لم يعد مجرد ساحة قواعد أميركية، بل أصبح العباءة السياسية لمشروع يستهدف انتزاع ورقة هرمز من إيران وورقة المقاومة من لبنان، وربما هذا يفسّر أهمية عودة التفاوض الإيراني العُماني حول اتفاق الإدارة المشتركة لمضيق هرمز كإشارة على فرص العودة إلى مذكرة التفاهم بعدما فشلت الجولات العسكرية في إقناع السوق بأن المضيق مفتوح، فبقي الشلل سيد الموقف، وبدأ سعر النفط يشعل الضوء الأحمر.