لماذا اختار اليمن الملاحة البحرية للسعودية لتدشين معادلة «الحصار بالحصار»… وأجّل ورقة المطارات
إسماعيل المحاقري
يمثّل البيان الأخير الصادر عن القوات المسلحة اليمنية بصنعاء، والذي أعلن فيه المتحدث العسكري العميد يحيى سريع فرض حظر بحري شامل على الملاحة البحرية المرتبطة بالسعودية، تحوّلاً جذرياً في مسار المواجهة.
هذا الإجراء الفوري، الذي جاء تحت شعار “معادلة الحصار بالحصار”، يعيد ترتيب أوراق الصراع الإقليمي ويفرض قواعد اشتباك جديدة تتجاوز الجغرافيا اليمنية لتطال عصب الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
أولاً: الدلالات العسكرية لفرض الحظر البحري
يحمل إعلان الحظر البحري دلالات عسكرية استراتيجية بالغة الأهمية لناحية استعراض الجاهزية والقدرة على فرض الحصار انطلاقاً من تجربة فرض الحصار على الملاحة الصهيونية وإغلاق ميناء إيلات رغم التحالفات الأميركية والأوروبية لمنع ذلك، ولما يعكسه القرار من ثقة عالية لدى قيادة الثورة ممثلة بالسيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في تأييد الله وثبات الشعب اليمني على موقفه الداعم للقوات المسلحة بما تملكه من قدرات نوعيه خبرها العالم خلال معركة إسناد غزة من صواريخ ومُسيّرات وما خفيَ من سلاح البحرية، مع القدرة على رصد وتتبّع واستهداف الحركة الملاحية في مساحات مائية شاسعة تشمل البحر الأحمر وخليج عدن وصولاً إلى المحيط الهندي.
بهذا القرار تحوّل اليمن من الدفاع ضمن حدوده البرية إلى فرض نفوذ حقيقي على الممرات المائية الحاكمة، لا سيما مضيق باب المندب، مما يمنحه القدرة على خنق الكيانات أو الدول المعتدية عسكرياً واقتصادياً.
وانْ كان الأمر في بداياته إلا أنّ الإرادة واضحة والرغبة موجودة لثبيت قواعد اشتباك هجومية تبدأ بالانتقال من استراتيجية “امتصاص الضربات” أو الردّ المحدود إلى “الردع الاستباقي الشامل”.
الردّ لم يعد مقتصراً على استهداف الجبهات أو المواقع العسكرية، بل أصبح يستهدف الشرايين الحيوية للدول المشاركة في الحصار.
ثانياً: التأثير المباشر على الملاحة والاقتصاد السعودي
ستواجه السفن المملوكة للسعودية أو المتجهة إلى موانئها قفزة قياسية في كلف التأمين ضدّ مخاطر الحرب والشحن، وقد تضطر الكثير من الشركات العالمية إلى تجنّب نقل البضائع من وإلى موانئ المملكة المطلة على البحر الأحمر.
ولأنّ السعودية تعتمد بشكل كبير على البحر الأحمر لاستيراد السلع الأساسية وتصدير جزء من نفطها، فإنّ مثل هذا الحظر يخلق ضغطاً لوجستياً هائلاً وإرباكاً في سلاسل الإمداد المحلية، بإجباره السفن على اتخاذ مسارات بديلة وأطول (مثل رأس الرجاء الصالح) أو الاعتماد الكلي على موانئ الخليج العربي، وما يشكل ضغطاً إضافياً هو التصعيد العسكري في هرمز.
الانعكاسات على الأسواق العالمية وأسعار النفط: يُعدّ البحر الأحمر ممراً رئيسياً لإمدادات النفط والغاز المُسال نحو أوروبا والعالم وفرض حظر بحري في هذه المنطقة الحساسة يثير مخاوف حقيقية من انقطاع الإمدادات، مما يدفع أسعار النفط عالمياً إلى الارتفاع السريع نتيجة “علاوة المخاطر الجيوسياسية”.
أزمة التضخم العالمي: التهديد المستمر للملاحة يعطل سلاسل التوريد الدولية بين آسيا وأوروبا، مما يؤدي إلى تأخر وصول البضائع وزيادة تكاليف الشحن الحاويات، وهو ما ينعكس سريعاً على شكل موجة تضخم جديدة تضرب الأسواق العالمية.
ثالثاً: لماذا التوقيت الحالي واختيار البحر بدل المطارات؟
جاء اختيار اليمن لورقة الملاحة البحرية وتجاوز ورقة المطارات (رغم الضربات المتبادلة السابقة مثل استهداف مطار أبها) نتيجة حسابات استراتيجية دقيقة:
فاستهداف المطارات أو المنشآت البرية يمكن احتواؤه جزئياً أو إصلاحه عاجلاً، لكن “الحظر البحري” في ظلّ التوتر القائم يشكل ضغطاً عسكرياً على داعمي الممكلة في مواجهتهم ضدّ إيران إذ يعتمدون على النفط السعودي وطرقه البديلة لكسب المزيد من الوقت وتلافي الضغوط الدولية بتصعيدهم المتهوّر ويمثل نزيفاً اقتصادياً مستمراً وغير قابل للاحتواء السريع؛ فهو يضرب عصب رؤية المملكة الاقتصادية القائمة على تحويل البلاد إلى مركز لوجستي عالمي وهو بمثابة الألم الاقتصادي الأعمق.
إغلاق أو تهديد الملاحة البحرية لا يؤثر على السعودية وحدها، بل يمسّ مصالح القوى الكبرى الداعمة لها وهذا التدويل يضع النظام السعودي أمام مسؤوليته التي يحاول التهرّب والتنصل منها بعد مرور أكثر من عقد على حربه الظالمة ضدّ اليمن، ويجبر المجتمع الدولي على الضغط على هذا النظام لتقديم تنازلات ورفع الحصار عن الشعب اليمني لتجنب كارثة اقتصادية عالمية.
التركيز على الملاحة يجنّب صنعاء في هذه المرحلة لدخول في حرب برية استنزافية واسعة في الداخل أو في العمق السعودي، ويستغلّ مكامن القوة غير المتناظرة “الدرونات والصواريخ البحرية” التي أثبتت فعاليتها في مواجهات البحر الأحمر السابقة.
رابعاً: تبعات الخطوة في كسر الحصار المفروض على اليمن
تضع هذه الخطوة ملف الحصار اليمني أمام مسارين حتميين:
المسار الأول “الرضوخ والشراكة الاقتصادية”: أن تجد الرياض نفسها مضطرة للجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروط صنعاء “معادلة المطار بالمطار، والميناء بالميناء”، مما يؤدّي إلى رفع القيود عن ميناء الحديدة ومطار صنعاء الدولي بشكل كامل ودائم، وتدفق البضائع والمساعدات ودفع المرتبات من عائدات الثروات النفطية.
المسار الثاني “التصعيد الشامل”
إذا رفضت الرياض الاستجابة وضغطت نحو خيارات عسكرية مضادة، فإنّ التبعات ستتجه نحو مواجهة إقليمية شاملة قد تشمل منشآت الطاقة الحيوية مثل “أرامكو”، مما يعوق أيّ فرص قريبة للاستقرار الاقتصادي في المنطقة.
خلاصة التحليل
تمثل معادلة “الحصار بالحصار” نقلة وازنة لصنعاء؛ حيث تحوّل الحصار المفروض على اليمن من أزمة محلية وإنسانية مهملة دولياً، إلى تهديد مباشر للأمن القومي السعودي وللاقتصاد العالمي ككلّ، مما يجعل استمرار الحصار على اليمن مكلفاً للغاية لمن يفرضه.