ملاحظات على هامش لقاء ترامب وعون
أربع ملاحظات أساسية رسمت الإطار السياسي للقاء الرئيسَيْن دونالد ترامب وجوزف عون، بعيداً عن اهتمام الرئيس جوزف عون بتأكيد التزامه بإنهاء حالة العداء مع “إسرائيل” إلى الأبد، وصولاً إلى السلام وشكر ترامب على الإنجازات العظيمة التي حققاها معاً، وبعيداً عن كلام ترامب عن إعجابه بلبنان ورغبته بمساعدته.
الملاحظة الأولى تتصل بالمفردة التي اختارها ترامب عندما سأله صحافيٌّ عن الانسحاب الإسرائيلي الكامل وموعده. لم يقل إن “إسرائيل” ستنسحب، بل أجاب بأنها «في طور إعادة الانتشار في مناطق أخرى»، من دون تحديد جدول زمني أو نقطة تنتهي عندها العملية. والفارق ليس لغوياً؛ خصوصاً عندما يكون السؤال عن الانسحاب ويأتي الجواب عن إعادة الانتشار، فالانسحاب يعني مغادرة أرضٍ محتلة وعودة السيادة إلى الدولة اللبنانية، أما إعادة الانتشار فتعني انتقال القوات من مواقع إلى أخرى، مع احتمال الاحتفاظ بنقاط مراقبة متقدمة وسيطرة جوية وحق تدخل ميدانيّ. وهي صيغة قريبة من المطالب الإسرائيلية في اتفاق 17 أيار، الخروج من بعض المواقع مع إبقاء عناصر السيطرة الأمنية وحرية العودة.
الملاحظة الثانية تتعلق بما غاب عن كلام عون العلني. فقد قدمت الرئاسة والمصادر اللبنانية الزيارة مسبقاً بوصفها سعياً إلى الحصول على دعم ترامب للانسحاب الإسرائيلي وانتزاع جدول زمني له. لكن عون، أمام الكاميرات، لم يطالب “إسرائيل” بالانسحاب الكامل، ولم يطلب من ترامب الضغط عليها أو المساعدة في ضمان ذلك، ولم يطلب جدولاً زمنياً. وعندما طرح الصحافي السؤال، لم يتدخل عون لتصحيح عبارة «إعادة الانتشار» لتثبيت أن المطلوب هو الانسحاب. وبدلاً من ذلك، ركز على ما يريده ترامب، الإشادة بـ«الإنجاز التاريخي» المتمثل في اتفاق 26 حزيران، وإعلان أن الهدف النهائي هو إنهاء حالة العداء بين لبنان و”إسرائيل” «إلى الأبد»، بما يفتح الطريق نحو السلام. وهكذا حضر هدف السلام، بينما غاب شرطه الأول المفترض: إنهاء الاحتلال.
الملاحظة الثالثة هي تكرار ترامب الحديث عن دورٍ للرئيس السوري أحمد الشرع في مواجهة حزب الله. فالحديث لا يتصل بوساطة سورية أو بضبط الحدود، بل بإمكان إسناد مهمة أمنية عسكرية داخل الأراضي اللبنانية إلى جيش دولة أخرى. والخطورة لا تكمن فقط في الفكرة الأميركية، بل في مرورها بحضور رئيس الجمهورية اللبنانية من دون اعتراض علني يؤكد أن حماية لبنان وتنفيذ قرارات دولته من صلاحيات الجيش اللبناني حصراً، وأن دخول قوات سورية أو غير سورية إلى لبنان مرفوض تحت أي عنوان. فالصمت هنا يترك السيادة اللبنانية معلقة بين احتلال إسرائيلي قائم وتفويض محتمل لقوة أجنبية بالتدخل.
الملاحظة الرابعة تتعلق بما كشفه الحوار حول بري وحزب الله. عندما سُئل عون عن معارضة بري، حاول شرحها وتخفيف حدّتها، كاشفاً إقامة حسابات دقيقة لخطورة القطيعة مع بري، فقال إن بري يريد إنهاء الحرب، وإنه إبن الجنوب الذي أعاد إعماره ويراه اليوم يُدمَّر أمام عينيه. وأضاف، وفق التغطيات الأميركية والإسرائيلية، أن بري يراعي موقعه ممثلاً للطائفة الشيعية. وفهم ترامب كلام عون بوصفه طلب مساعدة في معالجة هذه العقدة، فقال إن بري سيغيّر موقفه عندما يرى تقدماً على الأرض.
الأهم أن ترامب لم يربط موقف بري بإيران، بل بما تفعله “إسرائيل”. أي أنه اعترف، ولو ضمناً، بأن المشكلة ناجمة عن استمرار الاحتلال وغياب النتائج الميدانية التي يستطيع بري الاستناد إليها. كما أعلن استعداده للتحدث إلى حزب الله إذا وجد عون ذلك مفيداً، متجاوزاً التصنيفات التقليدية للحزب أميركياً، ومتجاهلاً الاتهامات الدائمة للحزب بتنفيذ أجندة إيرانية؛ والاستعداد للحوار اعتراف ضمني باستقلال قرار الحزب وحساباته اللبنانية، معيداً التذكير بصيغة سبق أن تحدث عنها، وهي ضمان ألا يشكل الحزب تهديداً عبر الحدود. وهذا يفتح الباب أمام تحييد السلاح عن الفعل، لا افتراض أن نزعه الكامل والفوري هو المدخل الوحيد للحل.
البناء