kayhan.ir

رمز الخبر: 227186
تأريخ النشر : 2026July22 - 20:45

الدبلوماسية تحت النار.. قراءة في ديناميات التصعيد الأميركي ـ الإيراني

 

د. محمد عاصي

 تؤكد التصريحات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية أنّ الأزمة الراهنة تجاوزت كونها مجرد مواجهة عسكرية أو سجال سياسي عابر، لتدخل مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها اعتبارات الردع العسكري مع حسابات التفاوض السياسي، في إطار ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ”الدبلوماسية القسرية”، حيث تستخدم القوة أو التهديد باستخدامها ليس بهدف خوض حرب شاملة، وإنما لتحسين الموقع التفاوضي وفرض وقائع جديدة على طاولة المفاوضات. ومن خلال تحليل مضمون الخطاب الأميركي والإيراني، يتبيّن أنّ كلا الطرفين يحاول إدارة الصراع لا حسمه، وأنّ التصعيد الحالي يمثل وسيلة ضغط متبادلة أكثر منه مقدمة حتمية لمواجهة إقليمية واسعة.

ففي الوقت الذي يؤكد فيه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو انفتاح واشنطن على أيّ مسار دبلوماسي تلتزم به إيران، يحرص في المقابل على إبراز استمرار أدوات الضغط العسكري والاقتصادي، مشيراً إلى أنّ الضربات الأميركية جاءت رداً على ما تعتبره الولايات المتحدة تهديداً لحرية الملاحة الدولية واستهدافاً للسفن التجارية، مع التأكيد على أنّ الاقتصاد الإيراني يمرّ بمرحلة شديدة الهشاشة، وأنّ استمرار هذا الوضع لن يكون في مصلحة طهران إذا أخفقت الجهود الدبلوماسية. وهذه الرسائل لا يمكن قراءتها بمعزل عن الاستراتيجية الأميركية القائمة على الجمع بين الردع والتفاوض، إذ تسعى واشنطن إلى إقناع القيادة الإيرانية بأنّ كلفة استمرار التصعيد ستكون أعلى بكثير من كلفة العودة إلى طاولة المفاوضات، وهو ما ينسجم مع مفهوم الضغط المركب الذي يجمع بين العقوبات الاقتصادية، والوجود العسكري، والرسائل السياسية.

وفي المقابل، يعكس الخطاب الإيراني تمسكاً بمبدأ عدم تقديم أيّ انطباع بالرضوخ أو التراجع، حيث أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أنّ الولايات المتحدة هي الطرف الذي لم يلتزم بمذكرة التفاهم، وأنّ فريق التفاوض الإيراني لم يتعرّض لأيّ خداع ولم يقدّم أيّ تنازل، معتبراً أنّ المفاوضات ليست بديلاً عن أدوات القوة وإنما امتداد لها، وأنّ المسار السياسي يكمل المسار العسكري ولا يتناقض معه. ويكشف هذا الطرح عن رؤية استراتيجية تعتبر أنّ امتلاك أوراق الضغط العسكرية يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق مكاسب سياسية، وهو ما يفسّر استمرار الخطاب الإيراني في الدفاع عن شرعية مواقفه بالتوازي مع الإقرار بوجود وسطاء وتحركات سياسية وأفكار جديدة يجري بحثها بعيداً عن الأضواء.

ومن زاوية العلاقات الدولية، فإنّ هذه التصريحات تكشف بوضوح أنّ الطرفين لا يزالان ملتزمين بمنطق إدارة الأزمة أكثر من الانزلاق نحو الحرب الشاملة، فإعلان كلّ منهما استعداده للتفاوض، مع استمرار تبادل الرسائل العسكرية، يعكس إدراكاً متبادلاً بأنّ أيّ مواجهة مفتوحة ستتجاوز حدود البلدين لتطال أمن الخليج (الفارسي)ا، وسلامة الملاحة في مضيق هرمز، واستقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يجعل تكلفة الحرب الشاملة مرتفعة بصورة لا تتناسب مع المكاسب السياسية المحتملة لأيّ من الطرفين. ولهذا فإنّ التصعيد العسكري الحالي يبدو أقرب إلى كونه وسيلة لإعادة رسم ميزان القوى وتحسين شروط التفاوض، وليس خطوة تمهيدية لحسم عسكري شامل.

أما من منظور القانون الدولي، فإنّ الأزمة تطرح مجدداً إشكالية شرعية استخدام القوة في العلاقات الدولية، حيث تستند الولايات المتحدة إلى مبررات الدفاع عن النفس وحماية الملاحة البحرية الدولية، بينما تتمسك إيران بحقها في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، في ظلّ استمرار الخلاف حول مدى التزام واشنطن بتعهّداتها السابقة. وتبقى هذه المبررات موضع نقاش قانوني واسع، خاصة في ظلّ أحكام ميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر استخدام القوة أو التهديد بها إلا في حالات الدفاع الشرعي عن النفس أو بناءً على تفويض صادر عن مجلس الأمن، الأمر الذي يجعل أي تصعيد عسكري خارج هذه الأطر محلّ جدل قانوني وسياسي على السواء.

ويكتسب التصريح الأميركي بشأن وجود إشارات متعددة تدلّ على رغبة إيران في التفاوض أهمية خاصة، إذ يكشف عن استمرار قنوات الاتصال غير المباشرة عبر الوسطاء، كما أنّ اعتراف الجانب الإيراني بوجود نشاط دبلوماسي وطرح أفكار جديدة يؤكد أنّ عملية التفاوض لم تتوقف فعلياً، وإنما انتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية يجري فيها استخدام القوة العسكرية كورقة لتحسين شروط التسوية. ويعني ذلك أنّ الطرفين لا يزالان يعتقدان بإمكانية الوصول إلى تفاهم جديد، لكن بعد إعادة ترتيب موازين القوة على الأرض بما يمنح كلّ طرف قدرة أكبر على فرض مطالبه.

وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أنّ السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار التصعيد العسكري المحدود بالتوازي مع مفاوضات غير مباشرة ترعاها أطراف إقليمية ودولية، بهدف الوصول إلى تفاهمات مرحلية تمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة. أما احتمال توسع العمليات العسكرية فيبقى قائماً إذا وقع خطأ في الحسابات أو خرجت إحدى الضربات عن حدود الردع المتبادل، إلا أنّ المؤشرات الحالية لا تدلّ على وجود إرادة سياسية لدى أيّ من الطرفين للدخول في حرب إقليمية مفتوحة، بالنظر إلى كلفتها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية.

وعليه، فإنّ القراءة الأكاديمية للتطورات الراهنة تقود إلى استنتاج مفاده أنّ الأزمة الأميركية ـ الإيرانية دخلت مرحلة “التفاوض تحت الضغط”، حيث أصبحت القوة العسكرية أداة لدعم الموقف التفاوضي وليست غاية في ذاتها، وأصبح الخطاب السياسي جزءاً من معركة الردع بقدر ما هو جزء من مسار التسوية. ومن ثم، فإنّ مستقبل الأزمة لن يتحدّد فقط بحجم العمليات العسكرية أو حدة التصريحات الإعلامية، بل بقدرة الوسطاء على تحويل ميزان الردع القائم إلى إطار تفاوضي جديد يحقق الحدّ الأدنى من مصالح الطرفين ويحافظ في الوقت ذاته على الاستقرار الإقليمي واحترام المبادئ الأساسية للقانون الدولي

captcha