kayhan.ir

رمز الخبر: 227122
تأريخ النشر : 2026July21 - 21:22

المشرق في مهبّ الانفجار الكبير

 

إبراهيم مصطفى

 في لحظةٍ تاريخيةٍ مفصليةٍ يمرُّ بها المشرقُ في هذا العام، نجدُ أنفسنا أمامَ مشهدٍ جيوسياسيٍّ بالغِ التعقيد، حيثُ تتصادمُ إرادات القوى الكبرى معَ طموحاتِ الشعوب في التحرر، في صراعٍ لا يُمكنُ حصرُه في حدودِ المواجهةِ العسكريةِ التقليدية، بل هو صراعٌ وجوديٌّ حول رسمِ خرائطِ النفوذِ في منطقةٍ يزخرُ تاريخُها بالتحولاتِ الكبرى.

إنَّ الحضورَ الأميركيَّ، لا سيما مع الرؤية التي يتبناها دونالد ترامب، والتي تضعُ هوسَ السيطرة كمنطلقٍ لإدارةِ الملفاتِ الخارجية، يرتكزُ على مبدأ “الهندسةِ بالضغط”؛ حيثُ تُستخدمُ العقوباتُ والتهديداتُ المباشرةُ بوصفها أدواتٍ لفرضِ واقعٍ جديدٍ يضمنُ تفوُّقَ العدوِّ الإسرائيلي ويحمي مصالحَ واشنطن. هذا النهجُ يتعاملُ مع المنطقةِ بوصفها رقعةَ شطرنجٍ للمقايضات، متجاهلاً الطبيعةَ الجيوسياسيةَ العميقةَ للمنطقة، وهو ما يضعُ المشرقَ دوماً على حافةِ انفجارٍ كبيرٍ يُهددُ بتبديلِ القواعدِ القائمةِ قسراً

وعلى الجانبِ الآخر، تمثلُ السياسةُ التوسعيةُ التي تنتهجها “إسرائيل” محركاً رئيسياً لهذا التصعيد؛ فهي ليست مجرد ردّ فعل، بل استراتيجيةٌ قائمةٌ على فرضِ الأمرِ الواقعِ عبرَ السيطرةِ على الأرضِ وتصعيدِ وتيرةِ الخطابِ العسكري

هذا الهوس التوسعي يجدُ غطاءً أميركياً يوفرُ الحمايةَ الدبلوماسيةَ والعسكرية، مما يمنحُ “إسرائيلَ” مساحةً للمناورةِ وتجاوزِ الخطوطِ الحمراء

إنّ التحركاتِ العسكريةَ” الأميركيةَ المكثفةَ في المنطقة، من حشدٍ للقواتِ واستعراضٍ للأساطيل، لا تُقرأ في المنطقةِ كخطواتٍ لتحقيقِ الاستقرار، بل كرسائلَ ضغطٍ تهدفُ لحمايةِ المسارِ “الإسرائيليِّ” وفرضِ توازناتٍ تخدمُ المشروعَ الأميركي ـ “الإسرائيلي” المشترك.

وفي خضمِّ هذا المشهدِ القاتم، تبرزُ المقاومةُ كعنصرٍ جوهريٍّ لفرضِ معادلاتِ الردع؛ فهي القوةُ الوحيدةُ التي وقفت سداً منيعاً أمامَ التمدّدِ الإسرائيلي، وهي التي أعادت تعريفَ مفاهيمِ السيادةِ في مواجهةِ الغطرسة

ورغمَ ما تعرّضت له هذه المقاومةُ من مؤامراتٍ معقدةٍ وطعناتٍ غادرةٍ في الظهر، إلا أنها أثبتت صلابةً استثنائيةً في الحفاظِ على توازنِ القوى وحمايةِ الأرض

وفي هذا السياق، تبرزُ إيرانُ ليس فقط كشريكٍ استراتيجي، بل كالسندِ الحقيقيِّ والأساسيِّ للشعوبِ المظلومةِ في المنطقة، حيثُ تقدّمُ الدعمَ الذي مكنَ هذه الشعوبَ من الصمودِ في وجهِ أعتى آلاتِ الحربِ والضغطِ الدولي، مؤكدةً بذلك التزامَها التاريخيَّ بدعمِ قضايا الحق.

يظلُّ لبنان، الذي يقفُ في خطِّ التماسِ الأول، الساحةَ التي تترجمُ هذه التناقضاتِ إلى واقعٍ ملموسٍ ومؤلم. إنَّ بيروت اليومَ ليست مجردَ عاصمة، انما هي ساحةُ الاختبارِ الأكبرِ لمدى قدرةِ القوى الدوليةِ على فرضِ مشيئتِها.

لبنان يعيشُ تحتَ وطأةِ هذا الصراع، حيثُ تتقاذفُه رياحُ التغييرِ الإقليمي، ولا يجدُ اللبنانيونَ لأنفسِهم مخرجاً إلا في ظلِّ موازينَ دوليةٍ لا تراعي ـ في حساباتِها الاستراتيجيةِ الباردة ـ إلا مصالحَ القوى الكبرى وتطلعاتِ الكيانِ المتوسع. إننا أمامَ مشهدٍ لا يقبلُ التجزئة؛ فكلُّ ضغطٍ أميركيٍّ وكلُّ مسارٍ توسعيٍّ “إسرائيليٍّ”، يقابلُه صمودٌ ميدانيٌّ وتحدٍّ استراتيجيٌّ يرفضُ الانكسار.

لقد أضحى المشرقُ ساحةً مفتوحةً على احتمالاتِ الانفجارِ في أيِّ لحظة، حيثُ تسعى قوى الهيمنة إلى إثباتِ حضورِها، تاركةً الشعوبَ في مهبِّ التجاذبات

إنَّ هذا الواقعَ يفرضُ علينا أن ندركَ أنَّ المنطقةَ تمرُّ بمرحلةِ “إعادةِ صياغةٍ” للهويةِ الجيوسياسية، وهي عمليةٌ تتسمُ بالقسوةِ والغموض، ولا يمكنُ التنبّؤُ بانتهاءِ فصولِها إلا بانهيارِ منطقِ الهيمنةِ القائم، أو الوصولِ إلى تسويةٍ كبرى تُعيدُ ترتيبَ البيتِ المشرقيِّ وفقَ قواعدَ جديدةٍ تتجاوزُ كلَّ ما عرفناهُ من سياساتِ القوةِ والاحتواء

captcha