ترامب يعلن الحرب… ويعترف بفشل الحرب السابقة
عباس المعلم
عاد دونالد ترامب إلى التلويح بالحرب على إيران، مستعيداً الشعارات ذاتها والخطاب نفسه، بعدما أمضى أشهراً يعلن، عشرات المرات، أنّ طهران هُزمت، وأنّ جيشها دُمّر، وأنها فقدت عناصر قوتها، ولم يعُد أمامها سوى الاستسلام والقبول بأيّ اتفاق وبأيّ ثمن.
من يستمع إلى خطاب ترامب اليوم، يكاد يظنّ أنه يتحدث عشية الثامن والعشرين من شباط، لا بعد خمسة أشهر من المواجهة والتصعيد. فالمشهد الخطابي لم يتغيّر، بينما تغيّرت الوقائع الاستراتيجية على الأرض، وهو ما يكشف فجوة متزايدة بين السردية السياسية التي يحاول تسويقها وبين النتائج التي أفرزها مسار الصراع.
في القراءة الاستراتيجية، لا تبدو عودة ترامب إلى لغة الحرب تعبيراً عن فائض قوة بقدر ما تعكس اعترافاً غير مباشر بأنّ الحرب السابقة لم تحقق أهدافها السياسية. فالدول التي تحسم معاركها لا تعود إلى نقطة البداية لتعيد إنتاج الخطاب ذاته، بل تنتقل إلى تثبيت مكاسبها. أما تكرار إعلان الحرب بعد إعلان الانتصار، فهو في جوهره إقرار بأنّ الانتصار المعلن لم يتحوّل إلى واقع سياسي أو عسكري قابل للاستثمار.
والمفارقة أنّ ترامب، بمحاولته معالجة الإخفاق عبر مزيد من التصعيد، يمنح طهران أكبر أدواتها الدعائية. فلو توقفت واشنطن وتل أبيب عند رواية “النصر الحاسم”، لبقيَت مساحة الجدل قائمة حول نتائج المواجهة. أما العودة المتكرّرة إلى التهديد والحشد والتلويح بجولة جديدة، فهي توحي بأنّ الحرب السابقة لم تُنهِ القدرات الإيرانية ولم تفرض الشروط التي أُعلنت أهدافاً لها منذ البداية.
وهنا تتبدّى المفارقة الأكثر عمقاً؛ إذ إنّ من يسعى إلى نفي قدرة خصمه، هو نفسه من يعيد، عبر سلوكه السياسي، الاعتراف بفاعلية هذا الخصم. فاستمرار استحضار إيران بوصفها التهديد المركزي، والعودة إلى خطاب المواجهة معها، لا يرسّخان صورة دولة مهزومة، بل يعززان الانطباع بأنها ما زالت تمتلك من عناصر القوة والردع ما يكفي لإجبار خصومها على إعادة فتح الملف مرة بعد أخرى.
وبهذا المعنى، فإنّ ترامب وبنيامين نتنياهو لا يواجهان إيران بالسلاح والخطاب فحسب، بل يساهمان، من حيث لا يريدان، في ترسيخ الرواية الإيرانية أمام الرأي العام الدولي والداخلي، ومفادها أنّ الحرب لم تحقق غاياتها، وأنّ ما عجزت عنه القوة العسكرية يُراد تعويضه بتكرار التهديد. وفي علم الاستراتيجيا، لا يُقاس النصر بما يُقال بعد انتهاء الحرب، بل بما يجعل العودة إليها أمراً غير ضروري…