تركيا ، بداية انهيار الأنموذج التركي
أحمد الحباسى
لم يصدق الكثيرون في حينه أن ما سمى بالأنموذج التركي ليس إلا مجرد كذبة مغلفة بغلاف الخداع صنعتها أجهزة المخابرات التركية و الصهيونية و اشتغلت عليها عديد وسائل الإعلام ذات العلاقة بمشروع الشرق الأوسط الكبير و بمشروع الفوضى الخلاقة الذي صنعت منه الولايات المتحدة الأمريكية حصان طروادة تتخفى وراءه لتمزيق المنطقة العربية ، لم يصدق الكثيرون أن حزب العدالة و التنمية لن يكون اكسير الحياة للاقتصاد التركي المتهالك و أن الإسلام السياسي لن يكون بأي حال من الأحوال الحل لهذه المشاكل بل المشكلة التي ستزيد من عمق الكسور الناتئة التي يعانى منها الوضع في تركيا على كل المستويات ، و لان الذي يدمر المؤسسة العسكرية و يتجرأ عليها سيكون حسابه عسيرا مع الدولة العميقة التي تحكم تركيا فقد جاءت الهزيمة الانتخابية الأخيرة أحد عناوين انتقام هذه المؤسسة.
تقلبت السياسة التركية تجاه النظام السوري خلال العشر سنوات التي سبقت المؤامرة ، من حالة عداء معلنة وصلت حد التهديد بالحرب إلى حالة صداقة ناشئة ، ليكشر حزب العدالة عن وجهه القبيح الحقيقي و يدخل مع منظومة الفساد الدولية المتكونة من الإدارة الأمريكية و بعض الدول الغربية التابعة و دول الخليج و طبعا إسرائيل في حرب إرهابية معلنة لإسقاط النظام السوري ، كانت " الصداقة " التركية السورية عجيبة بعض الشيء بين نظام موال للمشاريع الصهيونية و نظام نشأ على معاداة الوجود الصهيوني في المنطقة لكن المتابعين فسروا الأمر بما يسمى بالبراغماتية السياسية و سياسة المصالح بين الدول في انتظار أن تفرز الأيام حقيقة و مدى وقوف هذا الحلف الناشئ أمام تحديات المنطقة و رياح التغيير التي تهب عليها من كل الاتجاهات ، و لم ينتظر المحللون كثيرا لتظهر عورات حزب العدالة و انتهازيته السياسية المفضوحة ووصلت العلاقات بين الدولتين حد القطيعة النهائية بمجرد ثبوت تورط هذا الحزب الحاكم في مجريات المؤامرة الصهيونية على سوريا .
بطبيعة الحال مطامع تركيا في سوريا قديمة قدم التاريخ ، و تركيا التي دخلت في هذه المؤامرة هي نفسها التي أعلنت تهديها الصريح بغزو سوريا عام 1998 بعلة مساندة النظام لحزب العمال الكردستاني ، و حزب العدالة الذي جاءت به انتخابات سنة 2002 هو من سعى من البداية إلى تغيير ملامح رؤساء و ملوك أنظمة الدول العربية تحت دعاية ما سمى بالأنموذج التركي أو بحكم الإسلام السياسي في المنطقة العربية ، و على وزن أن الأقربون أولى " بالمعروف " التركي فقد تفتق ذهن العثمانيين الجدد على البدء بالتغيير من سوريا إلى بقية الدول العربية ، و بالتالي فقد تكون التحالف الخبيث المسمى " أصدقاء سوريا " ليضع اللبنة الأولى في مشروع إسقاط النظام بواسطة القوات الإرهابية التكفيرية السعودية و بمساعدة فعلية من المخابرات التركية ، لكن مع مرور الوقت فشل المشروع في عنوانه الكبير و لم يسقط النظام و لم تستطع أموال النفط و الجماعات الإرهابية الخليجية تحقيق انتصار مقنع يعجل برحيله و يفرض حميد قرضاى جديد على رأس سوريا .
المشروع التركي في المنطقة العربية و بالذات سوريا له عناوين مختلفة من بينها العنوان الثقافي ، بحيث تعرضت الشام إلى غزو ثقافي و احتلال مسلسلاتي مريع بالتوازي مع إغراق السوق السورية بالبضائع و المنتجات التركية الأمر الذي أدى إلى إغراق و خراب عدة مصانع و إفلاسها ، و عندما فشلت المؤامرة تراجع العدوان الثقافي و الاقتصادي التركي تراجعا واضحا في سوريا لكن تركيا لم تقف في دور المتفرج المحنط و كلفت مجاميع الإرهاب بتدمير البنية الاقتصادية و الثقافية في كل نواحيها حتى لا تقف سوريا على ساقيها في المستقبل القريب ، لكن من الأكيد أن الوجدان العربي قد تنبه كثيرا لهذا الوضع بحيث لن يغفر أبدا للدولة العثمانية دورها الحقير في تدمير الحضارة العربية ، و لن يغفر لحزب العدالة و التنمية دوره في تنمية الفكر الإرهابي و إعطاءه دور المخرب للبنيان و الجسد العربي ، و حين نتابع الحراك الشعبي في تركيا الرافض لسياسة هذا الحزب الدموي ندرك أن ما حدث في مظاهرات تقسيم وفى الانتخابات الحالية التي أفقدته الأغلبية البرلمانية ليس إلا بداية العاصفة التي ستدمر كامل مشروع الإسلام السياسي في كامل المنطقة العربية.
من المعلوم أن التغييرات في المزاج الشعبي تكون بطيئة في غالب الأحيان بفعل عوامل اجتماعية و أمنية معينة لكن ما يحدث في تركيا سواء على صعيد المزاج الشعبي المتوتر الرافض لحزب العدالة أو على صعيد الاقتصاد التركي الذي يعانى تراجعا منذ بداية الحراك الدموي في سوريا أو على صعيد السياسة الداخلية في علاقة بغضب المؤسسة العسكرية أو بالفشل السياسي المعلن في قبول تركيا في النادي المسيحي ، كل هذه العوامل و غيرها ستزيد من انهيار و عزلة حزب العدالة الحاكم مع الوقت و تفرض عليه كما حصل في مصر و تونس الاكتفاء بدور المتفرج السلبي و الاضمحلال بعد أن كشفت مجريات الأمور في تركيا و خارجها أن الأنموذج التركي ليس إلا سحابة صيف في صحراء مشروع الإسلام السياسي ، بل لنقل بمنتهى الصراحة أن صمود سوريا قد حقق للعرب مكتسبات تاريخية غير مسبوقة ستكون لها انعكاسات ايجابية و فاعلة على مستقبل المقاومة العربية في كل عناوينها الكبرى ، و بعودة روسيا للمنطقة يمكن الحديث اليوم عن متغيرات إستراتيجية مهمة تعيد الأمل للمقاومة .