kayhan.ir

رمز الخبر: 170362
تأريخ النشر : 2023June06 - 21:18

عن الفرد البطل والروح

 

أحمد فؤاد

مرة أخرى، ولن تكون أخيرة، يخرج علينا بطل عربي في لحظة فارقة من عمر الأمة وصراعها الوجودي مع عدوها الصهيوني، بقدم راسخة في الأرض كالجبال وهامة مرفوعة إلى حدود السماء وبسلاح فردي فقير وبرصاصات قليلة، ليصفع أمام عيوننا الباطل، ويذل كيان العنكبوت أمام العالم، ويدمر ببساطة وبجرأة غير عادية كل مخططاته وإستراتيجياته ويدوس كل ما أراد العدو تثبيته من أوهام، فتنهار على رؤوس من فيه حممًا من غضب ومن بأس شديد.

مرة أخرى، وجديدة، ومن أرض عربية تكاد تكون بورًا، يخرج بطل وحيد فرد، لكنه ممتلئ صدقًا وعزمًا وإيمانًا، ليذيق ما يقال إنه أقوى جيش في الشرق الأوسط كؤوس الهوان وينشر الموت على حدود فلسطين الجنوبية، ويفتك بجنوده، ويقاتل حتى ينال ما أراد وتمنى، الشهادة، أكمل وأبهى الأوسمة على الإطلاق، مقدمًا لنا درسًا جديدًا على صواب الخيار والطريق، ويجسد لشعبه العربي في مصر الإجابة الوحيدة الصحيحة عن أزمة واقعها، بدمه كتب كل شيء وقال كل شيء.

لا تكمن أهمية العملية في كونها جاءت من جبهة يحسبها العدو باردة، وقد استمرت عملية السلام مع نظامها الحاكم لعقود طويلة، ولا في أنها تأتي وسط مناخ داخلي يمور بالتفاعلات الحادة، وقد أنضجته مأساة تسليم مقدراته كاملة لواشنطن وتل أبيب، وبات يدرك واقعًا، وبالتجربة المريرة وبتكاليفها الفادحة، أن خروجه من صف أمته كان مأساة عظمى، حتى بالحسابات المجردة.

في مواجهة لحظة الحقيقة المرة، التي عاينها الكيان خلال عملية "ثأر الأحرار" والاكتشاف المتأخر لقادة الكيان أنهم أضعف من مواجهة حرب متعددة الجبهات، واضطرارهم إلى ابتلاع الصواريخ التي انطلقت من لبنان –بالذات- فقد اختارت حكومته أن تجري مناورات واسعة لجيشها، تشرك فيها آلاف الجنود ومختلف الأسلحة والمناطق العسكرية، بهدف محاكاة حرب واسعة، كما جرى بشكل مصغر في رمضان المبارك الماضي.

وكمحاولة لبث الثقة في أوصال المجتمع المرتعش، فقد اختار العدو لمناورته الكبرى اسمًا لافتًا "القبضة الساحقة"، وقال إنه سيختبر فيها منظومات دفاعية جديدة، خصوصًا نظام القبة الحديدية البحري الجديد، وستكون الأولوية هو زيادة قدرات جيشهم على مجابهة اشتباكات كبيرة واسعة تشمل جبهة لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية.

ميزة العملية البطولية، لبطل عربي مصري واحد، هو أنها جاءت في وقت المناورة، لتسحق حسابات العدو وتربك خططه، وتضيف جبهة جديدة محتملة عل لائحة أعبائه ومخاطره، جبهة عربية ورائها شعب يدرك أن هذا الكيان عدو أول، يعرف أن أبطاله الحقيقيون هم أولئك الذين قدموا الدم دفاعًا في حروبه مع الكيان، شعب عربي سقط في أسر أنظمة لا تمثله ولا تعبر عنه، ولا تقف أصلًا في خندق مواطنيها، ومعاينة لرد فعل المصريين العاديين في الشارع وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، لا تترك فرصة إلا للأمل بقدرة هذا الشعب على الخروج من مأزقه الحالي، والانضمام اليوم أو غدًا لأشقائه في طريق النضال والمقاومة.

رغم أن النظام الرسمي المصري، حتى اللحظة، لم يفرج عن اسم أو صورة للبطل، وذلك لكي يحاول أن يغلق القصة مبكرًا، ويمنع تخليد الشهيد الجديد في الذاكرة الوطنية، جوار رفاقه العظماء، سليمان وسعد وخالد وغيرهم، إلا أن ما هو مطلوب في اللحظة الحالية إبقاء جذوة الفعل المقاوم متقدة، والكتابة عن هذا الملهم الجديد بشكل مستمر، وتمجيد فعله وطريقه، واعتبار المقاومة ــ شعبيًا على الأقل ــ هي خلاصنا الوحيد.

من السمات الأصيلة في الكتابة عن الأحداث الكبرى واللصيقة بالشخصيات المؤثرة العظيمة، هي أنها توضع دائمًا في فصول المختلف عليه وحوله، وتعدد زوايا الرؤية وتباين المواقف المبدئية يجعل من النظر إليها مدفوعًا ــ أو متبوعًاــ بتعدد مواقع الرؤى وتعارض الروايات حول ما جرى، وهذا كله نتيجة منطقية للاختلاف في القضايا والمعتقد والانتماء والمصلحة الوطنية.

وفي أحداث الصراع العربي الصهيوني، فإن حزب الله يبقى الحدث الأكبر والمتغير العظيم الذي وقع للمنطقة وشعوبها وفلسطين، قضيتنا الأولى والأهم، والحزب هو أنبل ظاهرة في التاريخ العربي المعاصر فعلًا وقولًا، ليست رؤية من الضفة العربية، وفقط، للأحداث، لكنها الرواية المنطقية لما جرى ولما يجري في منطقتنا كلها.

وكما لن يكون ممكنًا أن نكتب قصة الصراع العربي الصهيوني دون فاصل واضح بعنوان حزب الله، بين زمنين مختلفين، فبالتأكيد سيكون في قلب هذا الحدث الأكبر والقصة الجميلة الحاج عماد مغنية كبطل أسطوري، كالشهاب جاء في لحظة ظلماء، فات لامعًا فأنار الدنيا والسماء، ثم مضى بعد أن ترك أثرًا لا يمحى ولا ينساه الزمن والناس والأرض.

ما قدمه عمادنا هو كما وصفه سماحة السيد حسن نصر الله بأنه جهاد السر أو صدقة السر، وأن من حقه على أمته أن تعرفه، من أجلها لا من أجله، جاء الحاج عماد في زمن الهزيمة فكسره، رفض أن يتعامل مع الواقع كما هو مفروض من عدونا، وآمن أن الإنسان العربي يستطيع أن ينتصر، وأن الأمل موجود وقائم، وهو فقط مرهون بالروح التي تقاتل، الروح التي تؤمن بالمطلق وبالله، فلا تهن ولا تجزع من الأسباب المادية.

قدم لنا الحاج الدرس الواضح، بانتصاري آيار 2000 وتموز 2006، وهي أن الشعوب العربية تستطيع أن توفر لها الحد الأدنى من الإرادة ومن التنظيم أن تجابه في ميدان أعتى القوى والجيوش وأفتك الأسلحة وأحدثها وأكثرها تطورًا، ما قدمه لنا الحاج هو النموذج والقدوة والتطبيق العملي الملهم، في كل وقت وأمام أية ظروف، أننا نستطيع أن نبني المستقبل الذي نحب أن نعيشه وأن نصنعه كما نريد أن نعيشه.