kayhan.ir

رمز الخبر: 159363
تأريخ النشر : 2022October30 - 20:06

مصير "عرين الأسود" بعد اغتيال عدد من قادتها

 

وسام أبو شمالة

إنّ الساحات الفلسطينية كافةً، في الضفة والقدس وغزة والداخل المحتل، وفي الشتات والمنافي، تقع عليها المسؤولية الأكبر لحماية "عرين الأسود" ودعمها وإسنادها، عبر كل السبل المتاحة.

نفّذ العدو الإسرائيلي عملية عسكرية في حيّ القصبة في مدينة نابلس المحتلة، وأشرف عليها من داخل إحدى غرف التحكّم كبارُ القادة العسكريين والأمنيين لجيش العدو، الذي نشر في أثناء العملية صورة لرئيس أركانه أفيف كوخافي، ورئيس "الشاباك" رونين بار، ورئيس قسم العمليات، وهم واقفون يراقبون سير العملية العسكرية، الأمر الذي عكس أهميتها وخطورتها ودقتها.

وأسفرت العملية عن استشهاد أحد أبرز قادة مجموعة "عرين الأسود" وديع الحوح، وعدد آخر من عناصر العرين، وجاءت بعد تنفيذ عملية اغتيال استهدفت الشهيد تامر الكيلاني، أحد مؤسسي المجموعة الفدائية، عن طريق تفخيخ دراجته النارية.

استشعر العدو خطورة مجموعة "عرين الأسود" في نابلس، ولجأ إلى استخدام القوة الأقصى لمواجهتها. ونتيجة ذلك أسقط أحد الخيارات في التعامل معها، وهو خيار الاحتواء والتحييد، والذي سيستغرق وقتاً أطول، ونقدّر أن العدو سيواصل سياسته تجاه العرين، وسيعمل على استخدام كل الأدوات العدوانية، بهدف القضاء عليها.

فلمَ تبنّت قيادة العدو رفع مستوى مواجهة عرين الأسود إلى المستوى العدواني الأقصى؟ وهل سينجح العدو في مخططه في القضاء على العرين في مهدها؟ أم ستتحول الحالة إلى ظاهرة وستُجهض سياسة العدو؟ وما الأدوات التي تمكّنها من تجاوز التهديد باستئصالها والقضاء عليها؟

دوافع العدو وتفسير سلوكه الاستئصالي ضد عرين الأسود:

- يظن العدو أنّ خطواته المتتابعة بشأن استهداف قادة "عرين الأسود" وعناصرها، ستؤدي إلى كيّ الوعي، وستردع عناصر المقاومة وتكبح اندفاعتهم في مواجهة جيش العدو ومستوطنيه. ويسعى العدو لهز الثقة الداخلية في أوساطهم، وإحباط الحالة داخلياً من خلال تنويع مظاهر الاستهداف، عبر الاغتيال الأمني الصامت، والكمائن، والاقتحام المباشر، بهدف الإيحاء في أن عناصر العرين مكشوفون استخبارياً لقوات العدو. كما لجأ العدو إلى أسلوبه القديم الجديد، وهو العقاب الجماعي وفرض حصار مشدد على مدينة نابلس المحتلة، بهدف تحريض الحاضنة الشعبية على العرين، وتحميلها المسؤولية عن تراجع الحالة الاقتصادية.

- يخشى العدو أن تتحول حالة العرين إلى ظاهرة وفكرة ملهمتين، يتمّ تقليدهما وتكرارهما في مختلف مدن الضفة الغربية المحتلة ومخيماتها وقراها. ويسعى لإجهاض الحالة قبل أن تتمدد وتنتشر في ربوع الضفة المحتلة، ويعمل على حصر الحالة في شمالي الضفة، وتحديداً في نابلس وجنين، وألّا تنتقل إلى الجنوب، وتحديداً الخليل، الأمر الذي سيُفقده السيطرة، ميدانياً وعملياتياً، وسيشتت قواته، ويستنزفها فترات طويلة. كما يدرك العدو أن تحوّل الحالة إلى ظاهرة ممتدة وفكرة معمّمة، أمرٌ لن يقف عند حدود الضفة المحتلة، بل سيتخطّاها لينتقل إلى الداخل الفلسطيني المحتل، وهو ما سيشكّل خطراً استراتيجياً عليه.

- تقوم سياسات العدو على إدامة حالة الانقسام الفلسطيني، وتعميق الشرخ والاستقطاب بين المكونات الوطنية، الأمر الذي تتخطاه عرين الأسود في تجاوزها الانقسام، كونها عابرة للفصائل، والأيديولوجيا، الأمر الذي سيشجع مزيداً من العناصر على الانضمام إليها، ولاسيما عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية، الأكثر تدريباً على السلاح، والقادرة على إحداث فارق في مستوى المواجهة في حال انخرط مزيد من قوات هذه الأجهزة في مواجهة العدو، وانضمّت إلى العرين.

- يعتقد العدو أن التطورات الميدانية في الضفة المحتلة، ستمثل نموذجاً مصغَّراً، ونقطة في بحر ما سيحدث بعد غياب الرئيس أبي مازن عن المشهد، وفراغ موقع رئيس السلطة، بسبب صراع الخلافة بين أقطاب حركة فتح. لذا، يريد العدو تهيئة البيئة الأمنية والعمل على القضاء على التشكيلات العسكرية في مهدها، بهدف رفع مستوى السيطرة على الأحداث في مرحلة ما بعد أبي مازن.

- تُعَدّ مدينة نابلس ومحيطها، من كبريات المدن الفلسطينية، وتجثم على أرضها كتل استيطانية كبيرة يقطنها عشرات آلاف المستوطنين، وتلتفّ حولها عشرات الطرق الالتفافية، بالإضافة إلى وجود قبر يوسف في قلب المدينة، والذي يؤمّه مئات المستوطنين، بحماية وحراسة دائمتين من قوات العدو، الأمر الذي يعني وفرة الأهداف العسكرية والاستيطانية. وفي حال فقد العدو السيطرة على المدينة، فستتحول نابلس إلى ساحة استنزاف بشرية ومادية لقواته، لن يقوى على تحملها.

- يريد العدوّ أن يتخلّص من حالة عرين الأسود، قبل أن تتراكم تجربتها العسكرية، وتنتقل من خلية، تضمّ عشرات المقاتلين، إلى خلايا منظّمة، تضم كتائب قتالية، لديها مختلف التخصصات، ولاسيما التصنيع العسكري، والإمداد والتجهيز، والتخطيط والتدريب، بالإضافة إلى تطوير قدراتها الأمنية والاستخبارية، وتطوير مهارات القيادة والسيطرة، والاتصال والتحكّم، الأمر الذي سيفتح جبهة شبيهة بجبهة قطاع غزة، مع فارق استراتيجي بين الجبهتين. فالتهديد الذي تشكّله جبهة الضفة على العدوّ يمثّل أضعاف التهديد الذي تشكّله جبهة غزة، نتيجة عوامل جيوسياسية/عسكرية/ديمغرافية. لذا، فإنّ العدو يعي خطورة تطور الحالة، ويبذل كل ما في وسعه لمواجهتها.

هل سينجح العدو في مخططه؟ أم ستنجح العرين في مواجهته؟

السؤال المهم بشأن مدى قدرة العدو على تنفيذ خططه وتحقيق هدفه في القضاء على عرين الأسود قبل أن تتحول إلى ظاهرة يصعب التعامل معها.

عملياً، نجح العدو في اغتيال عدد من قادة عرين الأسود، آخرهم الشهيد وديع الحوح، وهناك مساعٍ لاحتواء عناصر منها، كما يقبع أحد أبرز قادتها، مصعب اشتيه، في سجون السلطة الفلسطينية. وفي المقابل، ما زالت العرين قائمة، وتضم عشرات المقاتلين في صفوفها، كما أن المئات باتت لديهم الرغبة في الانضمام إليها، والانتقام لشهدائها. وعكست مشاهد تشييع شهداء العرين حجم الالتفاف الشعبي الكبير حولهم، ومدى التأييد الجارف للعرين، كفكرة قادرة على استيعاب الكل الفلسطيني على قاعدة مقاومة العدو وحماية الشعب الفلسطيني، والنأي بنفسها عن الخلافات السياسية الفلسطينية.

كما أكدت مشاركة قوى الأمن الفلسطيني في مواجهة القوات الخاصة في أثناء اجتياح نابلس، والعملية العسكرية التي نفذها عناصر من الأجهزة الأمنية الفلسطينية، في أعقاب استشهاد الحوح وإخوانه، أن انخراط مزيد من المقاتلين في صفوف العرين، سواء من الشبّان الثائرين أو عناصر الأمن الفلسطيني، سيزيد في قوة المجموعة، وسيُجهض مساعي العدو للقضاء عليها.

إنّ انضمام مزيد من المدن والمخيمات الفلسطينية، ولاسيما في جنوبي الضفة الغربية المحتلة، إلى حالة الاشتباك مع العدو وقطعان المستوطنين، وتشكيلَ مجموعات عسكرية فيها، على غرار مجموعة عرين الأسود، سيُساهمان في تخفيف الضغوط العسكرية على العرين في نابلس، ويمكّنانها من التقاط أنفاسها واستعادة تنظيم صفوفها. كما سيؤدّيان إلى استنزاف قوات العدو، وإعادة انتشاره، وتشتيت جهوده، ليتم توزيعها على أكبر مساحة، بدلاً من تركيزها في شمالي الضفة المحتلة. وربما سيدفع هذا الأمر العدو إلى نشر مزيد من القوات النظامية، على نحو يزيد على نصف القوات المنتشرة حالياً في الضفة المحتلة.

تتميّز مجموعة عرين الأسود العسكرية بأنها، على رغم حداثة التشكيل، وامتلاك أدوات عسكرية محدودة، ومقاتلين شبّان يافعين لديهم روح قتالية عالية، بسطت تأثيرها على الجغرافيا الفلسطينية، وعلى المجموع الفلسطيني، في يمينه ويساره ووسطه، حتى باتت القوى الفلسطينية كافةً تتنافس في تبني توجهاتها، وترفع شعاراتها، وتنشر بياناتها، الأمر الذي سيعقّد مهمّات العدو في استئصالها والقضاء عليها، لأنها تحولت إلى فكرة. والفكرة لا تموت.

إنّ الساحات الفلسطينية كافةً، في الضفة والقدس وغزة والداخل المحتل، وفي الشتات والمنافي، تقع عليها المسؤولية الأكبر لحماية العرين ودعمها وإسنادها، عبر كل السبل المتاحة. وإن حالة الإجماع الوطني على عرين الأسود يمكن أن تتحوّل إلى فكرة وطنية فريدة في مواجهة العدو، وهزيمته في الأرض الفلسطينية.