kayhan.ir

رمز الخبر: 15482
تأريخ النشر : 2015February21 - 21:12

بعد “الدولة” داعش ستعلن عن “إمبراطوريتها”

زكرياء حبيبي

"سأسمح لنفسي أن أذهب أبعد من ذلك، بالقول إن أمريكا تسعى اليوم وبذكاء مكيافيلي، إلى توريط الغرب المُتحالف معها، وتوريط منطقة شمال إفريقيا ككل، في مستنقع أمني أكثر خطورة وفداحة من المُستنقع الأفغاني، باستعمال ورقة "القاعدة”، بالشكل الذي يضمن دوام حالة اللاأمن في هذه المنطقة البعيدة عنها جغرافيا، ويُنعش بالتالي صناعتها الحربية، لأن الإقتصاد الأمريكي المُنهار حاليا، كان يرتكز على الدّوام في انتعاشه بإنعاش واختلاق الحروب في العالم، فالإقتصاد الأمريكي هو إقتصاد حرب بامتياز..”

هذه فقرة من مقال كتبه والدي رحمه الله جمال الدين حبيبي شهر أبريل/نيسان 2011 تحت عنوان: "العدوان على ليبيا يُمهد لمستنقع أفغاني جديد بالمنطقة”، اختزل فيه بحق آفاق وتداعيات العدوان على ليبيا بالأخص، فقد كان يرى بجلاء ووضوح أن ما تخطط له أمريكا وحلفاؤها من الصهاينة، هدفه الأساس خلق قاعدة توتر كبيرة، في ليبيا، ستشكل في وقت لاحق منطلقا لتعميم الفوضى في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط بل وحتى في أوروبا، وهو ما بات يرتسم بقوة من خلال مسلسل العمليات الإرهابية التي باتت تطال أوروبا ومصر ودول الساحل الإفريقي دونما الحديث عن سوريا والعراق، اللتين لا تزالان إلى يومنا هذا تشكلان أهم جبهة لنشاط الإرهابيين والدّواعش، بل إن التداعيات طالت حتى الدول الداعمة للإرهاب، كالأردن الذي عايش بمرارة تفاصيل حرق الطيار "الكساسبة”، واليوم يستفيق العالم على وقع مشاهد وحشية للغاية من خلال ذبح 21 عامل مصري في ليبيا، لجأوا إليها طلبا للرزق، فاختطفتهم "داعش” لتصنع من اغتيالهم، مشاهد رعب جديدة، تُثري اليوميات الدموية لهذا التنظيم التكفيري، الذي لا يُجاهد إلا ضد المسلمين بالدرجة الأولى.

ما وصلنا إليه اليوم، من استئساد الإرهاب وسريانه في شتى أنحاء الجسد العربي والإسلامي، يستدعي منّا أن نتساءل عن سرّ اكتساب تنظيم "داعش” وأخواته من الجماعات الإرهابية كل هذه القوة في ظرف زمني قياسي للغاية، ويستدعي منّا استحضار مواقف العربان بالأخص، عبر جامعتهم غير العربية، فالكل يتذكّر كيف هرول العُربان إلى مجلس الأمن لشرعنة العدوان على ليبيا، وكيف أنهم جمّدوا عضويتها وعضوية سوريا في جامعة التآمر العربي، فالعربان، هم أصل الداء، والتباكي اليوم على ضحايا الإرهاب الهمجي، يتوجّب أن يتحوّل إلى مساءلة قادة العربان، عمّا قاموا به من حماقات أسّست لمآسينا اليوم، ويحق لي في هذا المقام أن أستحضر فقرة أخرى من مقال المرحوم جمال الدين حبيبي التي جاء فيها ما يلي: "والظاهر أن الولايات المتحدة الأمريكية، كانت قد أعدّت إستراتيجيتها، ليس فقط لتنفيذ العدوان على ليبيا، وإنما كذلك، لتوظيف ورقة تنظيم القاعدة بما يخدم مصالحها الحيوية..” فكلام كهذا يؤكد اليوم أن تحذيرات جمال الدين حبيبي كانت في محلّها، فحتى البلدان العربية التي انخرطت في تنفيذ مؤامرة الربيع العربي بدأت تتلظى بنيرانه، وأخص بالذكر هنا جمهورية مصر العربية، التي تحتضن مقر الجامعة العربية، والتي كانت تتولى ولا تزال الأمانة العامة لها، فعند البدء في تنفيذ المؤامرة، تحوّل الأمين العام لجامعة العربان عمرو موسى آنذاك، إلى أكبر بيدق للقطريين، وعبّد لهم الطريق لتدمير ليبيا الجارة اللصيقة بمصر، ولم يكن يهم موسى، سوى كسب الدولارات القطرية والخليجية، وجاء من بعده نبيل العربي، الذي واصل مسلسل سابقه، وكلاهما لم يفكّر رُبّما في تداعيات تمرير قرارات العدوان على ليبيا وسوريا على الأمن القومي المصري بوجه التحديد، واليوم أتساءل عن موقف هاذين البيدقين، من المجزرة الإرهابية الرهيبة التي ذهب ضحيتها 21 عامل مصري، بل ومئات المصريين الذين اغتالتهم أيادي الإجرام الإرهابي في سيناء وعموم مصر، في السنوات الأخيرة، كما يحق لنا أن نتساءل عن هوية الديمقراطية والحرية التي وعد العربان الليبيين بتحقيقهما، أليست هي ديمقراطية تقسيم ليبيا كما هو الحال اليوم، وحرية تقتيل المدنيين والتنكيل بجثتهم؟

برأيي أن ما هو آت أخطر بكثير ممّا هو حاصل، لأن المخطط الصهيوأمريكي نجح في نشر الفوضى الخلاقة، ولا أستبعد أن يتم الإنتقال في المرحلة القادمة إلى الإيقاع بين بعض الدول لتدخل في حروب طاحنة فيما بينها، وهو ما بدأ يتجلّى عبر الرّد الأردني على اغتيال الكساسبة، والإنتقام المصري من "داعش” بشنّ غارات على معاقله في ليبيا، والذي حظي بتأييد الجيش الليبي بقيادة حفتر، وتنديد المؤتمر الوطني الليبي الذي أمهل المصريين 48 ساعة لمُغادرة ليبيا، فهذه الازدواجية الليبية في التعامل مع ردّ الفعل المصري، تكفي لوحدها بأن تُدلّل على عمق الأزمة التي تعيشها ليبيا، والتي يُراد من ورائها جرّ بلدان الجوار إلى حروب لن يكون المستفيد منها سوى مُهندسو مؤامرة الربيع العربي.

صحيح أن الضرر الذي أصاب الدول ضحايا "الربيع العربي” كان كبيرا للغاية، كما أن الدول البلهاء التي دعّمت ولا تزال تدعم الإرهاب كقطر وتركيا، ستدفع الثمن الأكبر، وفي كل المعادلات فالخاسر هم الضحايا والدول المُغرّر بها، والرابح الوحيد هو الحلف الصهيوأمريكي، لأنه حتى أوروبا ستكون في داخل دائرة الخاسرين، لأنها جغرافيا لا يمكن لها أن تحمي أمنها بعكس الولايات المتحدة الأمريكية التي لا يصلها من نيران الفتن والحروب إلا الدفء والفائدة، وبذلك أرى أنه قد حان الوقت اليوم، لإجراء مراجعة للمواقف، مراجعة تشمل الوطن العربي والإسلامي، بالإضافة إلى أوروبا، هذه الأخيرة التي باتت تدفع الثمن كذلك في الأزمة الأوكرانية، التي أشعلت فتيلها أمريكا، مراجعة تصبو إلى ترسيخ قواعد جديدة للتعايش بين الشعوب والدول، مراجعة تغلق الطريق في وجه الحلف الصهيوأمريكي، الذي يستفيد حتى من رماد حلفائه وبيادقه، مراجعة يجب أن تنطلق من وضع إستراتيجية جديدة، تُعيد إصلاح ما أفسده "الربيع العربي”، وتعويض الدول الضحايا كسوريا وليبيا ومصر... لتمكينها من استرجاع عافيتها، إستراتيجية تغلق منابع تمويل الإرهابيين، وتجرّم كل الدول الداعمة للإرهاب، إستراتيجية تشرعن لحرب شاملة على الإرهابيين بقوة الشرعية الأممية، وليس انطلاقا من النزعات الانتقامية، لأن هذا الإرهاب والداعشي بالأخص، وصل اليوم إلى حد إعلان قيام دولته وإماراته في عديد الدول العربية والإسلامية، وإن بقي الحال على حاله فيجب أن ننتظر ليس قيام "الدولة الإسلامية في العراق وسوريا” وإنّما "الإمبراطورية الإرهابية” وكفى.