kayhan.ir

رمز الخبر: 15275
تأريخ النشر : 2015February17 - 20:14

“المحافظون” الجدد ونتنياهو بين الوهم والواقع

علي جرادات

في عام 2006 شكل الحزبان الأمريكيان "الجمهوري” و”الديمقراطي” لجنة بيكر- هاملتون التي أوصت بإجراء مراجعة للسياسة الأمريكية جوهرها: المزاوجة بين السياسة والقوة العسكرية في التعامل مع العراق بعد ثلاثة أعوام من احتلاله، ومن الخسائر المادية والبشرية الباهظة التي تكبدها المحتلون. كان ذلك بداية الاعتراف بفشل سياسة "المحافظين الجدد” وحروبهم، وبتراجع قدرة الولايات المتحدة على لعب دور "شرطي العالم الذي يأمر فيطاع”. وفي عام 2006 ذاته تشكلت لجنة فينوغراد "الاسرائيلية” للتحقيق في فشل العدوان على لبنان. ومما سمح بنشره من توصيات اللجنة بدا واضحاً الاقرار بهزيمة العدوان وليس بفشله فحسب. كان ذلك، فضلا عن اندحار الجيش الصهيوني، عام 2000، من جنوب لبنان، بمثابة تأكيد على ما استخلصته لجنة اغرانات للتحقيق في حرب عام 1973 التي شكلت نتائجها الميدانية بداية تآكل قدرة "إسرائيل” على لعب دور "شرطي المنطقة الذي لا ينازع”.

رغم ذلك يعتقد "المحافظون الجدد” والمعسكر الصهيوني الذي يقوده نتنياهو، (خلافاً لادارة أوباما وجهات سياسية وعسكرية وأمنية صهيونية)، بأن شن المزيد من الحروب كفيل باستعادة هيبة الردع الأمريكي الصهيوني في العالم والمنطقة. يتبدى هذا الاعتقاد، سواء من خلال دعوات الطرفين إلى شن عدوان عسكري أطلسي مباشر بقيادة أمريكية على سوريا، أو من خلال رفضهما التوصل إلى أي حل تفاوضي دبلوماسي للملف النووي الإيراني، أو من خلال دعواتهما إلى تصعيد أزمة أوكرانيا المفتعلة أصلاً إلى ما لا يحمد عقباه، أو من خلال التطابق التام لمواقفهما من القضية الفلسطينية والعمل على تهميشها على طريق تصفيتها.

لذلك لا عجب في أن يتحالف هذان الطرفان، وأن يدعم كل منهما الآخر، حيث دعم المعسكر الصهيوني الذي يمثله نتنياهو مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأمريكية السابقة، وتدعم كتلة "الجمهوريين” في الكونغرس نتنياهو في الانتخابات "الإسرائيلية” المقبلة. بل ولا عجب في أن يصل التحالف بينهما حداً غير معقول من الوقاحة لدرجة ألا يُعلما الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته بأمر دعوة نتنياهو إلى الولايات المتحدة لإلقاء كلمة أمام "الكونغرس”. وهو الأمر الذي أثار موجة غير مسبوقة من النقد والاحتجاج داخل الولايات المتحدة و”إسرائيل”. طبعاً لا يخفي نتنياهو الهدف الأساسي للخطاب الذي سيلقيه أمام أعضاء "الكونغرس”، وهو تحريضهم، (خلافاً لإرادة إدارة أوباما)، على فرض عقوبات جديدة على إيران، وعلى رفض التوصل إلى أي اتفاق "دولي” بشأن ملفها النووي. ذلك ليس لأن إيران أصبحت على عتبة "دولة نووية” تشكل تهديداً وجودياً ل”إسرائيل”، بل لأن من شأن التوصل إلى اتفاق "دولي” معها أن يُفقد قادة "إسرائيل”، ونتنياهو منهم بالذات، ورقةً لاظهار أن الصراع مع إيران، وليس الصراع العربي الصهيوني، وجوهره القضية الفلسطينية، هو الصراع الأساس في المنطقة. وتبلغ الوقاحة الصهيونية التي يمثلها نتنياهو أوجها في تحذيرات الأخير التي لم تنقطع على مدار السنوات الماضية من بلوغ إيران عتبة "دولة نووية”، بينما يعلم العالم أجمع حيازة كيانه لأكبر ترسانة نووية في المنطقة، إن لم تكن بين الأكبر على المستوى العالمي. هذا ناهيك عن أن هذه الترسانة غير مُعترف بها، ولا تخضع، برعاية أمريكية، لأي شكل من أشكال الرقابة الدولية.

على أي حال، تتمثل مشكلة "المحافظين الجدد” والمعسكر الصهيوني الذي يمثله نتنياهو في أمرين: الأول أنهما لا يريان أن فشل حروب "المحافظين الجدد” في العراق وأفغانستان، وخيالية طموحاتهم الإمبراطورية، ووحشية سياستهم الليبرالية الجديدة، كانت الأسباب الأساسية خلف انفجار الأزمة المالية الأمريكية وتحولها إلى أزمة اقتصادية عالمية، وخلف بروز أقطاب دولية وإقليمية جديدة ترفض التفرد الأمريكي في إدارة العالم. وأن هذه الأسباب، وليس تردد أوباما، كما يشيع هذان الحليفان، ما فرض إحجام الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة عن شن حروب برية جديدة، وحصر تدخلاتها العسكرية في العالم على الضربات الجوية. أما الثاني فهو أنهما لا يريان أن العنجهية السياسية لقادة "إسرائيل” لدرجة رفض أي "حل وسط” للصراع، فضلاً عن تكثيفهم الجنوني لعمليات الاستيطان والتهويد، ولجوئهم إلى حروب المجازر والمذابح والإبادة الجماعية والتدمير الشامل بعدما صار جيشهم عاجزاً عن تحقيق نصر حاسم لا لبس فيه في الحروب البرية، هى الأسباب الأساسية خلف ما يواجهه كيانهم منذ سنوات من عزلة سياسية وحملات مقاطعة اقتصادية وأكاديمية عالمية، ومن عداء شعبي حتى لدى شعوب الدول "الغربية”. ماذا يعني هذا الكلام؟

إن اختزال قدرة الولايات المتحدة وربيبتها "إسرائيل” على استعادة ما خسرتاه من دور بفعل التحولات العاصفة في العالم والمنطقة في عودة "المحافظين الجدد” للسلطة في الولايات المتحدة، وفي بقاء المعسكر الصهيوني الذي يمثله نتنياهو في سدة حكم "إسرائيل”، هو أشبه إلى حد كبير بالعيش في أوهام الايديولوجيا، بمعنى إحلال الفكرة محل الواقع، كأنها هو. لكن الجانب الأهم لهذا الاختزال هو أنه من مقتضيات المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العدواني التوسعي، ومن مقتضيات الدعم الأمريكي المطلق لهذا المشروع، ذلك كي لا نقول من مقتضيات تشابه الأساس الفكري لما ارتكبه المهاجرون الأوروبيون من تطهير عرقي بحق السكان الأصليين لما بات يُعرف الولايات المتحدة، ولما أرتكبه الغزاة الصهاينة من تطهير عرقي مماثل، (بمعزل عن اختلاف النجاح بين الحالتين)، بحق الشعب العربي الفلسطيني على مدار ما يقرب من قرن من الزمان. لكن الثابت في الحالات كافة هو مثلما أن "العطار لا يصلح ما أفسد الدهر”، فإن بقاء نتنياهو الشخص والحزب والمعسكر في سدة حكم "إسرائيل” لن يخرجها من أزماتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية، بل وسيفاقمها، وإن عودة "المحافظين الجدد” إلى حكم الولايات المتحدة سيقود إلى الأزمة الأمريكية ذاتها التي تطلبت تشكيل لجنة بيكر- هاملتون، وما قدمته من توصيات شكلت المقدمة لفوز أوباما في دورتين انتخابيتين متتاليتين.