kayhan.ir

رمز الخبر: 15075
تأريخ النشر : 2015February14 - 20:11

اوروبا ضحية العنصرية الاسرائيلية واليمينية

سركيس ابو زيد

منذ أيام اعلن عن توقف مجلة "شارلي ايبدو” عن الصدور مؤقتا. وكانت مجلة الأعمال الهولندية "كووت” قد كشفت أن أشهر وأغنى العائلات اليهودية "روتشيلد” ، قد اشترت "شارلي إيبدو” قبل حوالي شهر من وقوع الهجوم، أي في شهر كانون الأول 2014.

وكان لآل "روتشيلد” صلات متشعبة بالسياسيين والإعلاميين، وكان لأموالهم تأثير على هؤلاء، حتى قال الشاعر الألماني "هاينرش هاينه” فيهم: "المال إله عصرنا، وآل روتشيلد هم رسله”، ومن يومها تم إطلاق لقب "رسل المال” على العائلة .

وكان الهجوم الدموي على "تشارلي ايبدو " في العاصمة الفرنسية، قد شكل صدمة للفرنسيين خاصة ولأوروبا عامة .

إن السبب "السطحي” و”المباشر للهجوم كما بدا للعيان حتى الآن” كان تكرار نشر الصحيفة الساخرة رسوما كاريكاتيرية مسيئة للأديان بوجه عام وللدين الإسلامي على وجه التحديد.

ومن المفارقات أن الصحيفة خرجت فى عددها الاخير بعنوان رئيسي ساخر يقول: "توقعات المنجم فى عام 2022 أصوم شهر رمضان!” وذلك فى إشارة إلى مخاوف التيار اليميني الفرنسي المتطرف من إنتشار الإسلام والمسلمين فى البلاد.

كما تزامن مع صدور رواية مثيرة للجدل بعنوان "الاستسلام” لمؤلفه ميشال ويلبيك الذي يتصور فيه فرنسا وقد وضعت تحت حكم رئيس مسلم عام 2022 .

وهذا التوتر والقلق في الأجواء العامة سيؤدي الى ازدياد الشعور العنصري المعادي للعرب والمسلمين المتضررين قبل غيرھم من جريمة تصب مياھا كثيرة في طاحونة اليمين المتطرف المتحفز لتسلم السلطة في الانتخابات المقبلة.

هذه "المجزرة” بحق صحيفة ربطها البعض بسياسة فرنسا الخارجية حيث تقف باريس في الصفوف الأمامية وتنخرط في عمليات واسعة تمتد من مالي وشمال إفريقيا الى العراق وسوريا، بالاضافة الى حالة "داعش” ودورھا في التعبئة والتحريض والحض على شن هجمات ضد "الصليبيين” أينما وجدوا خصوصا في البلدان التي انضمت الى التحالف الدولي.

فالعملية الإرهابية هي على مستوى المجتمع والرأي العام في فرنسا أكثر من صدمة وأقل من زلزال يمكن تسميتها بانها”هزة عنيفة” لن تمر من دون سجالات ومضاعفات وتحوّلات وأثمان، فقد تم توجيه اصابع الاتهام وتحميل المسؤولية الى وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتحميلها مسؤولية الاخفاق والتقصير، فلم يقتصر الأمر على عدم اكتشاف مسبق لهذه المجموعة وإنما على عدم مطاردتها وعدم التوصل إليها بعد تنفيذ "مجزرة جماعية” في وسط باريس وفي وضح النهار...

يضاف عليه خطر وقوع اعتداءات وردود فعل ضد المسلمين في فرنسا على غرار ما شهدته الولايات المتحدة بعد هجمات 11 أيلول، وصعود اليمين المتطرف مع ازدياد مشاعر الكراهية والتوتر الأمني والنفسي وهذا يصب في خدمة الجبهة الوطنية التي تدعو الى فتح ملف الهجرة والإرهاب والتطرف على مداه وتلصق كل ذلك بـ”الإسلام”.

"الإسلاموفوبيا”

ما حدث يعزز "رهاب الإسلام” و”الإسلاموفوبيا” ليس في فرنسا فقط وإنما في كل أوروبا التي لم تتأخر في التنديد والتضامن مع باريس وفي رفع درجة الاستنفار والتأهب الأمني، وهو جارٍ في اتجاهين خطيرين: خطر وقوع عمليات إرهابية من إسلاميين متطرفين متأثرين بدعاية "داعش”، وخطر وقوع اعتداءات ضد المسلمين مع تصاعد أصوات يمينية متطرفة ضد المسلمين. وبينما بات شعار "اقتلوا كل المسلمين” من أكثر الشعارات ترويجا على "تويتر”، في بريطانيا اعتبر نائب رئيس حزب البديل من أجل ألمانيا (حزب يميني متطرف في ألمانيا) ألكسندر جاولاند، الهجوم الذي استهدف مقر المجلة الفرنسية الساخرة مبررا لوجود حركة بيجيدا "أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب”.

وبدأت مشاعر الكراهية للمهاجرين المسلمين تستقطب شعبية واسعة من شأن ترسخها، القضاء على انفتاح المجتمعات الأوروبية ما يحض على الكراهية بما يؤدي الى تقسيم المجتمع.

فرنسا التي تضم كبرى الجاليات المسلمة في أوروبا، شهدت إقبالاً استثنائيا على كتاب الصحافي إريك زيمور "الانتحار الفرنسي "الذي يتناول شعور الفرنسيين بالإحباط إزاء أوضاع بلادهم "بحجة وجود شعب في قلب شعب آخر”.

وفي حديث إذاعي أحدث ضجة كبيرة في فرنسا، حذر هذا الصحافي من أن "هذا الوضع سيقودنا إلى الفوضى والحرب الأهلية”، معتبراً أن الحل هو ترحيل خمسة ملايين فرنسي مسلم ووضعهم على البواخر وطردهم.

دخلت فرنسا في أتون "المساءلة والمحاسبة” حول ثغرات كبيرة في السياسة والإجراءات الأمنية. بالاضافة الى نقاشات عميقة وخطرة تتناول هوية فرنسا الثقافية وحتى الدينية، وتتعلق بالهوية الوطنية إجمالا، وأنهى حقبة الانفتاح ، وأفاد اليمين المتطرف الذي سيكون القوة الشعبية الصاعدة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة مدفوعا بموجة شعبية اجتماعية داخلية انغلاقية ومتشددة لن يتمكن اليسار الفرنسي من صدها واحتوائها.

وما حدث أدى بالتالي الى طرح وضع المسلمين في فرنسا، الدولة الأوروبية الأولى في عدد المسلمين على أرضها (يفوق ال 6 ملايين)، وتعود خطورة ما حصل الى أن الفاعلين هم فرنسيون من أبناء المهاجرين من الجيل الثالث ، ولدوا فرنسيين على أرض فرنسا ولم يفدوا إليها حديثا.

اليهود خائفون

يضاف عليهم وجود اليهود في فرنسا (مليون يهودي كحد أقصى) خائفون من التطرف الإسلامي وأن يكونوا هدفا رئيسيا وجاذبا له.

فاليمين الفرنسي المتطرف، واليمين الإسرائيلي المتطرف يتقاطعان في الإفادة الى أقصى حد من الإرهاب المستجد وفي الدفع الى حلول جذرية: اليمين الفرنسي يريد فرنسا من دون مسلمين ويذهب الى حد الإعلان عن فشل اندماجهم في المجتمع الفرنسي والمطالبة بترحيلهم.

واليمين الإسرائيلي يريد فرنسا من دون يهود ويذهب الى حد تحريض اليهود على الهجرة الى إسرائيل ومغادرة فرنسا التي لا تحميهم ولا يشعرون فيها بالأمان...

هذا الشعور بالعداء للاسلام والمسلمين داخل المجتمعات الاوربية مهدت له اسباب عدة منها:

زيادة عدد المسلمين بشكل تصاعدي نتيجة الهجرة المتكررة من العالمين العربي والإسلامي الى بلدان أوروبا بسبب الحروب والأزمات الإقتصادية والإضطهاد السياسي، ما ولد استياءً من تنامي الوجود الإسلامي في أوروبا.

يضاف عليه دور وسائل الإعلام اليميني التي استفادت من ثورة المعلومات وسرعة نشرها، فأخذت في نشر ثقافة الخوف من الإسلام وبث الكراهية بحق العرب، مشوّهة الإسلام ومحرضة على المسلمين.

فأوروبا اليوم تجد نفسها بين خيارين لا ثالث بينهما، وفي الحالتين هو مر، فالخيار الاول: هو اتخاذ سياسة إقصائية تهميشية ضد المسلمين والسماح بإهانتهم والنيل من مقدساتهم ومساجدهم، ما يفجر شعوراً مناهضاً لهم.

والخيار الثاني: الصمت على تنامي هذا الحضور الإسلامي وتركه يصبح رقماً حتى داخل البرلمانات والحكومات.

وفي أجندة الاتحاد الأوروبي مساع الى إعادة تصويب الأمن الداخلي وسط التركيز على سلسلة معطيات، منها: مواصلة تطوير فاعلية نظام المعلومات "شنغن”، وتعزيز الإطار القضائي الجنائي، وتعزيز التعاون بين "الأوروبول” وباقي الأجهزة الأوروبية و تعزيز التبادل الاستخباراتي على المستويين الأوروبي والدولي.

وقد تم وضع صندوق للأمن الداخلي في أوروبا بموازنة قدرها 8،3 مليارات أورو.

وقد اقترحت الأجهزة الاوروبية آلية جديدة لمكافحة الارهاب تتمثل في الدعاية المضادة للجماعات "الجهادية” عبر وسائل الاعلام و التواصل الاجتماعي ومراقبتها وإغلاق حسابات "الجهاديين” ، وتبادل المعلومات مع دول المنطقة حول المقاتلين الأجانب في العراق وسوريا واليمن وشمال إفريقيا ، وضبط نشاط الجمعيات الإسلامية في أوروبا ،و تقديم بيانات المسافرين من قبل خطوط الطيران الى أجهزة الأمن والاستخبارات ، و فرض إجراءات جديدة في حق اللجوء والإقامة للأجانب ، و اتخاذ إجراءات استباقية استخباراتية في تعقب المشتبه بهم واتخاذ إجراءات تنفيذية ضدهم ، و إعادة النظر في موضوع التعبير عن الحرية الشخصية ، و سحب جوازات السفر من المشتبه بهم.

تبدو اوروبا حائرة بين أن تتمسك بقيمها الديمقراطية، أو أن تقلد الأميركيين في سلوكهم بعد أحداث 11 أيلول 2001 ، بالنظر إلى كل مسلم كمشروع إرهابي متطرف. وفي كل الحالات اوروبا ضحية العنصرية الاسرائيلية واليمينية التي تحرض ضد الإسلام من جهة ومن جهة أخرى تشجع على هجرة اليهود من اوروبا الى إسرائيل.