الاستفتاء الذي راهنّا عليه
حسين شريعتمداري
"يمكن الكذب على الجميع لمرة واحدة، كما ويمكن الاستمرار في الكذب على شخص واحد، الا انه لايمكن الاستمرار في الكذب على الجميع" هذا ما قاله (برتولت برشت) في اشارة الى حقيقة بظروف خاصة خلال فترة حياته (1898 ــ 1956) أي في فترة لم يعهد الناس ثورة معلوماتية، وكانت مسارات الاعلام احادية الجانب، وحسب المنظرين المعروفين بـ (الفرانكفورتيون) تخضع لادارة الغرب.
فيما لا يخفى اليوم أي حدث على احد في أي نقطة، او لا يمكن اخفاؤه لفترة طويلة.
وخلال استقباله الاحد الماضي قادة وكوادر سلاح الجو للجيش، وفي اشارة لتصريحات (ديفيد كوهن) احد المسؤولين الاميركيين، اذ قال قبل ايام ؛ "ان العقوبات الاقتصادية قد كبلت ايدي ايران وان فريقها النووي المفاوض سيحضر طاولة المفاوضات خالي الوفاض"! فقد ذكر سماحة قائد الثورة في اشارته لتصريحات هذا المسؤول الاميركي من دون ذكر اسمه "حين تشهد الحضور الشعبي في الثاني والعشرين من بهمن، ستعلم ان كان الشعب الايراني مكبل اليدين؟..."
وبالامس برهن الشعب بخروجه المليوني بذكرى انتصار الثورة، مدى اصراره على سحق تمنيات اميركا وحلفائها، وحسب ما تفضل به الامام الراحل (ره) ان الشعب قد جعل آمال العدو تحت قدميه الراسختين.
فكانت الشعارات التي رددها الشعب في مسيرته؛ "نحن ثوريون"، "ليس بمقدور اميركا ارتكاب ايةحماقة"، "كلا للحظر كلا للذل، نعم للتفاوض بعزة"، "تكفي الليونة فقد جاء دور البطولة"، ومؤكدين على صمودهم قبال المستبدين الدوليين بشعارهم "الموت لاميركا"، ليبرهنوا عمليا ان الحق مع قائد الثورة حين قال؛ "ان ايدي الشعب ليست مكبلة، وان التي خسرت هي اميركا" و... وهنا يلزم التذكير بالتالي؛
1 ــ خلال ما يقرب من ثلاثمائة عام، وقد شهد العالم عدة ثورات كبيرة ــ منذ الثورة الفرنسية عام 1799 والى اليوم ــ لا تجد ثورة الاوبهت بريقها بمرور الايام، حتى تتحول الى "ذكرى تاريخية"، فيما تفردت الثورة الاسلامية في ايران ليس بعدم خبو نورها وحسب وانما ازدادت تألقا رغم تآمر الاعداء في الخارج واذنابه في الداخل، وكما تفضل سماحة القائد؛ على الذين يتوهمون ان الثورة الاسلامية تفقد بريقها مع مرور الوقت، اين يجيبوا على التساؤل؛ اذا كان الامر هكذا فلماذا لم يقل عداء النظام التسلطي الدولي مع ايران الاسلامية، ويستعر عداؤه كل يوم؟
وكما قال الامام الراحل (ره) مخاطبا اميركا؛ "ان كنتم تقولون لم يحصل امر هام فلماذا هذا الصخب"؟!
ومن اللافت ما ابداه عالم الاجتماع الاميركي (ايمانوئيل الرشتاين) وهو من حسن الصدف لايكن للجمهورية الاسلامية الايرانية أي ود، اذ قال؛ ان ما توصلت اليه من ابحاث ودراسات ان جميع الاطروحات ــ الحوارات والتابعة للحكومة ــ قد فقدت بريقها شيئا فشيئا الى ان عفا عليها الزمن، الا اطروحة (ولاية الفقيه) التي جاء بها (الامام) الخميني اذ ليس لم يذهب بريقها وحسب وانما زادت الايام من اهميتها واستقطبت الشعوب الاخرى.
2 ــ لم تشهد الدنيا طوال قرون مضت، أي ثورة وحكومة تنبع من هذه الثورة، ان تسمح للشعب بعد نجاح الثورة، ولو لمرة واحدة، بالحضور في الساحة ليعبر عن شرعية ثورته، وبالطبع تقوم بعض الدول في ذكرى ثورتها او الذكرى السنوية لتسلطها على النظام، بممارسة مراسم تشريفية باقامة مراسم حكومية وليست شعبية.
الا ان الثورة الاسلاميةوالنظام المنبثق منها، قد تفردت في العالم ــ واؤكد في كل العالم ــ بالاحتفاء بذكرى ثورتها بحضور مليوني للشعب، وان الحماس يشتد في كل عام ليعلن وفاءه للثورة والنظام المنبثق منها، ويؤكد شرعيتها. حتى اثناء القصف الصاروخي للعدو، وفي ظل ظروف مناخية قاسية كنزول البرد والمطر الشديد.
3 ــ كتب المحلل الاميركي المعروف والكاتب في صحيفة (واشنطن بوست) دبورا سالامون، قبل ثلاثة اعوام، " لقد كذبنا نحن الاميركيين على انفسنا خلال ثلاثة عقود، بخصوص ايران.
فوسائل الاعلام الاميركية قد تجنبت، حسب اتفاق غير مكتوب، تغطية وقائع ما يحصل في ايران بعد انتصار الثورة، والتزمت في تحليل الاحداث في هذا البلد الثوري والمسلم باقوال وكتابات جناح من المعارضة الايرانية في الداخل والخارج، في الوقت الذي تعكس المعارضة آمالهم التي لم تتحقق حول ايران، حتى بلغ بنا الحال ان نشهد اليوم ايران تختلف عن ما صوره اولئك ، وسقطنا في حفرة، خلال مواجهتنا معها، قد حفرناها بايدينا".
بدوره ايد الكاتب والاعلامي المعروف في صحيفة نيويورك تايمز توماس فريدمان تصريحات زميله، قائلا: "لقد اتجهنا في تحليلنا لايران، صوب التيارات المعارضة للجمهورية الاسلامية، بدل ان ندرك ما يريده قاطبة الشعب، التيارات التي صنعناها بايدينا، اذ كنا نتصور ان الثورة الاسلامية الايرانية كسائر الثورات ستتحول الى فرقتين مؤيدة ومعارضة، وسنجد تيارا شعبيا يترجم الثورة حسب الفهم الاميركي، ونتمكن بدعمنا لهكذا تيار ان نعيد ايران التي خرجت من الجبهة الغربيةا لى معسكرنا كما في السابق، غافلين عن ان المعارضين للثورة الايرانية ثلة قليلة قياسا لعموم الشعب".
4 ــ ان الشعب قد اكد في الذكرى السنوية لانتصار الثورة الاسلامية، بحضوره الملحمي المليوني في انحاء البلاد، اكد على اعتقاداته العميقة بالتعاليم الاساسية للثورة الاسلامية وعلى ارتباطه بالامام الراحل (ره) وبخلفه الحالي، ومرة اخرى عبر عن تمسكه بشكل اوسع واكبر من كل عام…
ويمكننا الان ان نستنتج بوضوح ودون اي ضبابية مايلي؛
الف: ان الاعلام الغربي والعبري والعربي حتى وان التزم الصمت حيال الملحمة الكبرى للشعب الايراني في ذكرى انتصار الثورة، واخفى مطالب الشعب الصريحة عن الرأي العام وعن شعوبها، الا ان ساسة اميركا وحلفائها قد فهموارسالة الشعب وتيقنوا بان الشعب يقف صفا واحدا امام كل متسلط ومبتز، ولذا من الطبيعي ان يجد كفة ميزانه في التحديات المختلفة اقل من ايران الاسلامية.
باء: ان الشعب قد اثبت وبالتماهي مع الامام الراحل وخلفه، عن طريق شعاراته المستلة من ما يضمره بالموت لاميركا، بان اميركا هي العدو الاساس ولايمكن الثقة بها، وهو (اي الشعب) على يقين، بما قاله الامام (ره) بان ما يستجمعه من صرخات ينبغي ان يصعقها على رأس اميركا وان لايغفل عن مؤامراتها الحاقدة. من هنا لا يحق لاحد شطب شعار الموت لاميركا او ان يعتبر اميركا (سيدة العالم)! وان الفرج الاقتصادي والسياسي مرهون بكسب ود اميركا!
جيم: وعلى العكس من مايصخب به المسؤولون والاعلام الاميركي وحلفائه في ابواقهم المخادعة، وما يقصده رؤوس الفتنة، فان الشعب ملتف حول اعتقاداته بالاسلام والثورة والنظام، وان الاذواق السياسية المختلفة تندرج في ما يريده الشعب، وبالتالي فان الاذناب الداخليين للعدو الخارجي ليسوا ضمن الدائرة العظيمة للشعب، اذ يحاول البعض عن غفلة واكثرهم عن عمد، في محاولة لترجمة رأي الاعداء، بوسائل الاعلام التي يملكونها، بانها آراء قطاعات من الشعب، ليتبوؤا مناصب في مراكز ادارية في الحكومة.
دال: ان فئات الشعب المشاركين في مسيرات الثورة بعشرات الملايين قد عكست بوضوح ودون أي ضبابية رأيها حول الجدال النووي والمفاوضات القادمة، وان الاستفتاء الذي طرحه رئيس الجمهورية المحترم قد تحقق بكل نزاهة وصراحة يعز نظيرها. اذ ان نتيجة الاستفتاء تمخض عن ان الشعب غير مستعد لتقديم امتيازات عاجلة قبال وعود آجلة. وان سبيل الحلحلة الاقتصادية يكمن في الاعتماد على الحلول الداخلية ــ الاقتصاد المقاوم ــ وليس في الجدال النووي.
ورغم تمسكه بشعار "كلا للحظر كلا للذلة، نعم للمفاوضات بعزة" وعدم تملصه من التفاوض بشرط حفظ عزة النظام، الا انه يرى انه في المعادلة الحكيمة "الليونة ببطولة" قد استخدمت الليونة بما يكفي ــ ولربما اكثر ــ وجاء الان دور البطولة. اذ يتوقع الشعب من فريقه المفاوض وهم ابناء الثورة ان يكون اشد حزما و...
5 ــ ان في رفع الصور واللافتات المساندة لحزب الله، والمقاومة الفلسطينية، وثوار يمن و... خلال الملحمة التي سطرها الشعب في ذكرى انتصار الثورة، تاكيد على تكثير لايران الاسلامية وتحول الشعوب الاسلامية الى امة اسلامية، ومن الضرورة بمكان ان يأخذ هذا المطلب الجماهيري مكانته اللائقة في السياسة الخارجية للمسؤولين المحترمين.