kayhan.ir

رمز الخبر: 14277
تأريخ النشر : 2015January30 - 21:54

البيان رقم 1.. أسقط مشروع المنطقة العازلة

أحمد الشرقاوي

بقبولها فحوى البيان رقم واحد، تكون "إسرائيل” قد رفعت الراية البيضاء وقبلت ذليلة مهزومة، بمعادلة حزب الله الجديدة التي تقول: "الأمــر لــي لا لـــك، ولا منطقة عازلة في الجولان”.. وما كان لـ”النتن ياهو” من خيار والبيان يفهم من العنوان بسبب أرقامه المفتوحة على ملاحم الانتصارات الموعودة ما وراء خطوط النار وحدود القوة بما يتجاوز جغرافية الأوهام الإسرائيلية..

كل المؤشرات كانت تقول أن حزب الله سيرد في الجولان، الأمر الذي سيمكن "إسرائيل” من التدخل بقوة لفرض منطقتها العازلة التي طالما حلمت بها كمقدمة لتقسيم سورية، لكن الرد جاء في المكان غير المتوقع بالمرة، فخلط الأوراق من جديد ودفع بـ”النتن ياهو” للجنون وصب جام غضبه على حزب الله وسورية وإيران، حيث أدرك أن اللعبة هذه المرة تتجاوز حساباته الضيقة وأنه أصبح عاريا في مواجهة محور بأكمله..

ما قام به حزب الله وضع المنطقة أمام احتمال اندلاع مواجهة كبيرة، لكن ليس وفق الحسابات الإسرائيلية والأجندة المريكية.. وهو ما حدى بالإدارة الأمريكية وحلفاء الصهاينة في الغرب لتكثيف الاتصالات الديبلوماسية في محاولة لترسيخ خلاصة مفادها، أن عملية شبعا لم تستهدف المدنيين بل العسكريين، وأنها تمت في أرض لبنانية محتلة لا يشملها القرار 1701، وبالتالي، ما حدث لا يعتبر تغييرا إستراتيجيا كبيرا يستحق خوض حرب جديدة من أجله، قد تشعل المنطقة وتخلط الأوراق وتطيح بالأهداف الأمريكية في سورية والعراق ولبنان.

ويبدو أن "إسرائيل” بدورها فهمت حدود اللعبة التي أرادت من خلالها العبث بمعادلات الردع القائمة مع حزب الله، فقال وزير دفاعها الخميس، أن "إسرائيل” تبلغت عبر ‘اليونيفيل’ عدم رغبة حزب في الله الذهاب إلى حرب جديدة، وهو عذر أكبر من زلة، يفضح مدى الإرباك الذي تشعر به القيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب، ويكشف فشلها وعجزها عن حفظ ماء وجهها، وهي المعروفة تاريخيا بتعنتها وجنونها الخارج عن كل عقلانية أو انضباط، بدليل أن البيان رقم 1 يوضح بما لا يدع مجالا للشك قرار حزب الله الذهاب بعيدا في مواجهة كل التداعيات التي قد تنجم عن عملية شهداء القنيطرة الأبرار، في إطار نظرة إستراتيجية عميقة تقول أن إعادة البوصلة للصراع مع "إسرائيل” هو السبيل الوحيد لإنهاء ما تعاني منه الأمة من انقسام وفتن وخراب.

وها هو حزب الله الجبار يثبت للصهاينة العرب بالملموس أن استهداف مجاهديه في القنيطرة لم يضعه في موقف مأزوم كما هللوا فرحا في البداية، وكان كتابهم يتشفون في ما حدث معتبرين إياه ضربة موجعة للحزب في سورية، معتقدين بأن عدم سماح النظام السوري بفتح جبهة الجولان في هذه المرحلة الحساسة من عمر الأزمة جعل حزب الله يقف أمام حائط مسدود، وهم في قرارة أنفسهم كانوا يتمنون لو أن الحزب يرد من الجولان، ليعطي للكيان الصهيوني المتربص بسورية الذريعة التي كان ينتظرها..

فتصريح السيد وليد المعلم لقناة الإخبارية السورية، حول تركيز الجيش العربي السوري على محاربة التكفيريين في الشريط الحدودي مع الجولان المحتل هو بمثابة محاربة لإسرائيل، فهم منه أن ظروف الحرب السورية الحالية من جهة، وإكراهات النظام السياسية الإقليمية والدولية تحتم عليه عدم السماح بفتح جبهة جديدة مع "إسرائيل”.. وهذه حسابات قد نتفهم منطلقاتها عندما يتعلق الأمر بدولة كـ”سورية”، لكنها لا تغير من مستقبل الصراع قيد أنملة ولا تضمن لسورية انتصارا على الإرهاب حتى لو ظل الصراع مفتوحا لأربع سنوات أخرى، باعتراف الرئيس ‘الأسد’ نفسه، هذا صحيح، لكن التصريح في حد ذاته يؤكد أن القيادة السورية كانت مدركة لخطورة اللعبة وأبعادها وتداعياتها على مجمل الصراع في المنطقة.

كما وأن الظروف السياسية والأمنية اللبنانية ودخول الحزب في حوار مع تيار المستقبل من جهة، والتزامه بمقتضيات القرار 1701 من جهة أخرى، جعلت الصهاينة العرب يسخرون من معادلات حزب الله القديمة، ومن قدرته على الرد انتقاما لشهدائه، شاهرين في وجهه معادلة "الدولة” وقرار السلم والحرب، والسلاح من خارج الشرعية..

إيران بدورها لم يكن في مقدورها الرد المباشر على العدوان الذي استهدف أحد كبار ضباطها الشهيد محمد علي الله دادي، خصوصا وأن "إسرائيل” نفت علمها بوجوده ضمن القافلة، وهو نوع من الاعتذار الخبيث الذي ينزع من يد إيران حجة الانتقام.. وإن كانت طهران أبلغت الإدارة الأمريكية عبر السفارة الباكستانية أن "إسرائيل” تجاوزت خطوط إيران الحمراء في هذا الباب..

هذا علما أن تواجد جنرال إيراني في سورية ليس أمرا مستغربا، لأنه يدخل في إطار اتفاق التعاون الإستراتيجي الأمني والعسكري القائم بين طهران ودمشق، بل المستغرب هو وجود التكفيريين في منطقة الجولان والدعم المفضوح الذي تقدمه لهم "إسرائيل” في الوقت الذي تقول أمريكا وحلفها أنهم يحاربون الإرهاب في المنطقة.

والحقيقة، أن المحلل الموضوعي لا يسعه إلا أن يقف حائرا أمام هذه المعطيات التي بنت عليها "إسرائيل” خطة عدوانها بشكل خبيث، لحشر حزب الله في الزاوية بين خيار عدم الرد أو السقوط في الفخ والرد من موقع العدوان "القنيطرة”، وفي تقدير القيادة الصهيونية، أن لا سورية ولا لبنان بقادرين على تحمل حرب طاحنة نتيجة مغامرة غير محسوبة من حزب الله، خصوصا وأن "إسرائيل” سبق وأن هددت الدولة اللبنانية والدولة السورية في حال استهدفتها المقاومة في الشريط الحدودي الممتد من البحر إلى حدود الأردن.

ماذا بقي للحزب إذن غير استهداف مصالح "إسرائيل” في الخارج، لكن هذا سيعتبر إرهابا موصوفا لا دفاعا عن النفس، وقد يجلب على الحزب نتائج عكسية وهو الذي بنى سمعته على محاربة الإرهاب في سورية، كما وأن "إسرائيل” سعرت حملتها مؤخرا على حزب الله في محاولة لتسويقه في المحافل الدولية باعتباره منظمة إرهابية لا تختلف عن "داعش.

ومن حيث لم تكن تتوقع "إسرائيل” نفسها، جاء الرد بحجم الكارثة، وتميز بالدقة في التخطيط، والذكاء في اختيار المكان والزمان والأهداف، والفعالية العالية في التنفيذ، فكانت الرسالة أبلغ مما كان يتصور الشامتون، ولم يجدوا ما يعلقون به على ما حدث غير الصمت من هول الانتكاسة.

ومهما يكن من أمر، فما حدث، هو فصل جديد من فصول الصراع الطويل والمرير مع هذا الكيان الصهيوني المغتصب، وقطعا لن يكون الأخير، لأن الصدام قادم لا محالة في سورية ولو بعد حين، خصوصا وأن الإدارة الأمريكية تعمل على مشروع جديد لتقسيم سورية من خلال تدريب المعارضة المسلحة وتمكينها من السيطرة على الأرض بالدعم الجوي، وأن لا حل لمشاكل المنطقة إلا بتوحيد المقاومات وإعادة توجيه نيران البنادق صوب "إسرائيل”، وهذا ما ظهر جليا عقب عملية القنيطرة ورد حزب الله في شبعا، لتتحول المقاومة الإسلامية في لبنان إلى نواة لتوحيد كافة حركات المقاومة العربية والإسلامية في العالم العربي ضد المشروع الصهيوني والأمريكي في المنطقة.. وهذه هي بداية طريق التحرير والانعتاق وخروج الأمة من عصور ظلماتها الطويلة إلى عصر الحرية والنور والعزة والكرامة.

وإذا كان من درس نستخلصه من النتائج الأولية لعملية شهداء القنيطرة في شبعا البطولية، فيتمثل جليا واضحا في قوله تعالى: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين) التوبة: 14. وفيها من البيان البليغ والمعاني اللطيفة ما ينعش الذاكرة ويجدد إيمان الصابرين المحتسبين الذين اختاروا المقاومة نهجا وسبيلا..

هذا ما تبين بوضوح من خلال استشراف آراء الشارع العربي سواء من قبل بعض الفضائيات أو ما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي من ارتياح وفرح لدى شرائح واسعة من شرفاء الأمة، الأمر الذي أكد أن الثقة في حزب الله لا زالت في ذروتها، وأن كل حملات التحريض والتضليل وعمليات غسيل المخ لم تجدي نفعا، لأن حزب الله إذا قال فعل وأصبح اليوم يمثل آخر صمام أمان لوحدة الأمة قبل ضياعها.

ولننتظر حديث سماحة السيد الجمعة لنتأكد إن كان ما ذهبنا إليه هنا بالتحليل صحيحا، أم أن في الأمر أسرارا أخرى لا تزال خفية.. لكن الواضح الجلي بالنسبة للشرفاء اليوم، هو أن المعركة ليست طائفية ولا مذهبية، وأن العدو الحقيقي للأمة هو الكيان الصهيوني المجرم، لا إيران المسلمة ولا حزب الله المقاوم ولا سورية المجاهدة.

ورحم الله شهدائنا الأبرار وطوبى للأحرار بهذا الانتصار النوعي الكبير.