لمحة عن حياتها الشريفة بمناسبة وفاة مولاتنا فاطمة المعصومة (ع)..
اسمها ونسبها: هي السيّدة الجليلة فاطمة بنت موسى بن جعفر عليه السلام القصير النسب ....والدتها: أم ولد تكنى بأم البنين .. وذكر لها أسماء عديدة مثل ..نجمة ....وأروى... وسكن .. وتكتم , وما يميز هذه السيدة إنها الأخت الشقيقة للإمام الرضا عليه السلام تشترك معه في أمّ واحدة ...والمعروف إن كلمة شقيق عند العرب يعني من نفس البطن والظهر ..
أمها حازت الشرف الرفيع من كل جوانبه .. فهي إضافة لاتصالها بنبي الرحمة {ص} واتصالها بمولى الموحدين علي بن أبي طالب {ع} ومولاتنا الزهراء عليهم السلام أجمعين .. فأنها بالصفات الخاصة كانت من أفضل النساء في عقلها ودينها....... تقول السيّدة حميدة المصفّاة زوجة الإمام الصادق {ع} لولدها الإمام الكاظم عليه السلام: "يا بنيّ إنّ تكتم جارية ما رأيت جارية قطّ أفضل منها ولست أشكّ أنّ الله تعالى سيطهّر نسلها إن كان لها نسل وقد وهبتها لك فاستوصِ بها خيراً". ولمّا ولدت الإمام الرضا عليه السلام سمّاها الإمام الكاظم عليه السلام , الطاهرة وقد كانت من العابدات القانتات لربّها ... وهي والدة المترجمة لها معصومة قم فاطمة عليها السلام .. فهي تشارك الإمام الرضا بالأبوين .
ولادتها ووفاتها: ولدت في المدينة المنوّرة في غرّة شهر ذي القعدة الحرام سنة173 للهجرة قبل ان يودع الإمام في سجون الظالمين .... أما وفاتها في قمّ سنة 202 للهجرة وذلك في العاشر من ربيع الثاني وقيل: في الثاني عشر منه وفيها دفنت ... فوفاتها في بعض الأخبار أنها ماتت قبل أخيها الإمام الرضا عليه السلام ..
مدفنها ومزارها في قمّ المقدّسة ذو قبّة عالية وضريح وصحون متعدّدة وخدم وموقوفات كثيرة وهي قرّة عين قمّ وملاذ الناس ومعاذهم بحيث تشدّ إليها الرحال كلّ سنة من الأماكن البعيدة ...
المثير لهذه المرأة إنها تقدمت على الرجال من أبناء الأئمة عليهم السلام .. وهذا ليس مصادفة أو نزوة عابرة من الشيعة لهذه السيدة .. لم يكن في ولد الإمام الكاظم عليه السلام مع كثرتهم بعد الإمام الرضا مثل هذه السيّدة الجليلة, وقد قيل في حقّها: (إنّها) رضعت من ثدي الإمامة والولاية، ونشأت وترعرعت في أحضان الإيمان والطهارة..تحت رعاية أخيها الإمام الرضا عليه السلام، لأنّ أباها الإمام الكاظم عليه السلام قد سجن بأمر الرشيد لذلك تكفّل أخوها رعايتها ورعاية أخواتها ورعاية كلّ العوائل من العلويّين التي كان الإمام الكاظم سلام الله عليه قائماً برعايتهم..
ويظهر من الروايات أنّ فاطمة هذه كانت عابدة مقدّسة مباركة شبيهة جدّتها فاطمة الزهراء عليها السلام, وأنّها على صغر سنّها كانت لها مكانة جليلة عند أهل البيت عليهم السلام. وعند كبار فقهاء قمّ ورواتها، حيت قصدوها إلى ساوة وخرجوا في استقبالها، ثمّ أقاموا على قبرها بناء بسيطاً، ثمّ بتوا عليه قبّة وجعلوه مزاراً، وأوصى العديد منهم أن يدفنوا في جوارها ......
عن السكونيّ قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأنا مغموم مكروب، فقال لي: "يا سكونيّ ممّ غمّك؟" قلت: ولدت لي ابنة فقال: "يا سكونيّ على الأرض ثقلها وعلى الله رزقها، تعيش في غير أجلك وتأكل من غير رزقك". فسرى والله عنّي فقال لي: "ما سمّيتها؟" قلت: فاطمة، قال:"آه آه" ثمّ وضع يده على جبهته..(إلى أن قال:) "أمّا إذا سمّيتها فاطمة فلا تسبّها ولا تلعنها ولا تضربها". ومن هنا كان للإمام الكاظم عليه السلام أربع بنات سمّاهنّ بفاطمة ... والمحراب الذي كانت فاطمة رضوان الله عليها تصلّي فيه في مدينة قمّ موجود إلى الآن في دار موسى بن خزرج ويزوره الناس . ولا يزال هذا المحراب إلى يومنا هذا يؤمّه الناس للصلاة والدعاء والتبرّك، وهو الآن في مسجد عامر بقمّ المقدسة ، وقد جدّدت عمارته أخيراً بشكل يناسب مقام السيّدة فاطمة المعصومة رضوان الله عليها ...
أما سبب شهرتها بالمعصومة:وقد اشتهرت هذه السيّدة الجليلة بلقب المعصومة حتّى باتت تعرف وقد أرجع بعضهم ذلك لأحد سببين:
الأوّل: أنّه لمّا كان عمرها رضوان الله عليها قصيراً- لم يتجاوز الثلاثين على أكثر الروايات -، أطلق عليها الإيرانيّون "معصومة فاطمة" أو "معصومة قمّ"، لأنّ معصوم بالفارسيّة بمعنى البريء ويوصف بها الطفل البريء- فيكون ذلك للإشارة إلى طهارتها وصفاء روحها -....
الثاني: أنّ ذلك يعود لطهارتها وعصمتها عن الذنوب، فإنّ العصمة على قسمين، عصمة واجبة كالتي ثبتت للأئمّة المعصومين عليهم السلام، وعصمة جائزة تثبت لكبار أولياء الله تعالى المقدّسين المطهّرين عن الذنوب . ولعلّ ما جاء في ثواب زيارتها ممّا ورد التعبير بمثله للأئمّة المعصومين عليهم السلام يؤيّد هذا الوجه كالتعبير بأنّ من زارها فله الجنّة أو وجبت له الجنّة ونحوها ممّا سيأتي..
وقد يضاف إلى هذين الأمرين أمر آخر محتمل وإن كنّا لا نملك دليلاً عليه: أنّه ربّما يكون ذلك بسبب اعتصامها بأهل قمّ فإنّها التجأت إليهم ونزلت عندهم والعصمة في لغة العرب تأتي بمعنى المنع. والله العالم. هذا وقد نسب للإمام الرضا عليه السلام أنّه قال: "من زار المعصومة بقمّ كمن زارني"
فاطمة الشفيعة: منزلتها وألقابها
ولمنزلتها العظيمة ومقامها الرفيع عند الله تعالى فقد أعطيت الشفاعة فعن القاضي نور الله التستريّ قدّس الله روحه في كتاب "مجالس المؤمنين" عن الصادق عليه السلام أنّه قال: "إنّ لله حرماً وهو مكّة، ألا إنّ لرسول الله حرماً وهو المدينة، ألا وإنّ لأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، ألا وإنّ قمّ الكوفة الصغيرة ألا إنّ للجنّة ثمانية أبواب ثلاثة منها إلى قمّ، تقبض فيها امرأة من ولدي اسمها فاطمة بنت موسى، وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنّة بأجمعهم"....
كريمة أهل البيت عليهم السلام: وهذا لقب اشتهرت به سلام الله عليها وهناك قصّة منقولة عن السيّد محمود المرعشيّ ورد فيها هذا اللقب وسببها : أنّه كان يريد معرفة قبر الصدّيقة الزهراء عليها السلام, وقد توسّل إلى الله تعالى من أجل ذلك كثيراً، حتّى أنّه دأب على ذلك أربعين ليلة من ليالي الأربعاء من كلّ أسبوع في مسجد السهلة بالكوفة، وفي الليلة الأخيرة حظي بشرف لقاء الإمام المعصوم عليه السلام، فقال له الإمام عليه السلام: "عليك بكريمة أهل البيت"، فظنّ السيّد محمود المرعشيّ أنّ المراد بكريمة أهل البيت عليها السلام هي الصدّيقة الزهراء عليها السلام فقال للإمام عليه السلام: جعلت فداك إنّما توسّلت لهذا الغرض، لأعلم بموضع قبرها، وأتشرّف بزيارتها، فقال عليه السلام: "مرادي من كريمة أهل البيت قبر السيّدة فاطمة المعصومة عليها السلام في قمّ.." وعلى أثر ذلك عزم السيّد محمود المرعشيّ على السفر من النجف الأشرف إلى قمّ لزيارة كريمة أهل البيت عليها السلام ......