عندما يكون “الإرهاب” وسيلة لتحقيق أهداف سياسية
جمال كامل
حتى وقت قريب لم يكن الغرب يعترف بوجود مقاتلين اوروبيين وغربيين يقاتلون في سوريا والعراق الى جانب تنظيمات تكفيرية ارهابية مثل "داعش” و "نصرة” واخواتهما ، واقصى ما كان يقال عن عدد هؤلاء المقاتلين لا يتجاوز بضع مئات ، تمكنوا من التسلل بطريقة ما الى سوريا ، الا انه وبعد الهجوم على مجلة "شارلي ايبدو” الفرنسية الساخرة ، قفز عدد المقاتلين الاوروبيين في سوريا الى الالاف باعتراف الاوروبيين انفسهم.
ففي اول تصريح له بعد الهجوم على "شارلي ايبدو” اعلن مدير منظمة الشرطة الأوروبية "يوروبول” : ان هناك نحو 5 آلاف أوروبي انضموا للقتال في سوريا ، وباتوا يشكلون خطرا كبيرا على اوروبا ، كما كشف عن نقله 60 خيط معلومات مخابرات عاجلة إلى الشرطة الفرنسية بعد الهجمات التي تعرضت لها.
واعتبر روب وينرايت في كلمة له امام لجنة برلمانية بريطانية ، تهديد هؤلاء المقاتلين الاوروبيين بانه أخطر تهديد إرهابي تواجهه أوروبا منذ هجمات 11 سبتمبر / ايلول 2001 ، مؤكدا على ان منظمته جمعت قاعدة بيانات 2500 مشتبه بهم ، محذرا في الوقت نفسه من خطر الخلايا النائمة، مشيرا إلى أن المهاجمين اللذين نفذا الهجوم على صحيفة "شارلي إيبدو” ، الأخوان شريف وسعيد كواشي سافرا الى اليمن في عام 2011 للتدريب.
اعترافات وينرايت بوجود 5 الاف مقاتل اوروبي في سوريا ، وان كانت متأخرة الا انها قيلت تحت ضغط التهديد الذي يشكله هؤلاء المقاتلون على البلدان الاوروبية ، لاسيما بعد هجمات باريس ، ولولا وجود هذا التهديد لكانت اوروبا ما زالت تنكر وجود مثل هذا العدد الكبير من المقاتلين ، فالخطر بالنسبة لاوروبا ليس الارهاب بحد ذاته ، بل المكان الذي تنفذ فيه العمليات الارهابية ، فالحكومات الاوروبية لم تحرك ساكنا ازاء الارهاب الذي يضرب سوريا والعراق منذ اربع سنوات ، رغم تحذير الحكومتين السورية والعراقية من وجود مقاتلين اوروبيين ، بين الارهابيين ، الا ان الحكومات الاوروبية اقامت الدنيا بعد هجمات باريس ، واخذت تطالب العالم اجمع بمحاربة الارهاب ، لا لكونه ارهابا ، بل لكونه ضرب في اوروبا.
تصريحات واينرايت ، كشفت ايضا حجم التورط الاوروبي في الارهاب الذي يضرب سوريا منذ اربع سنوات ، فليس من السهل قبول فكرة انتقال هذا الجيش الجرار من الارهابيين من البلدان الاوروبية الى سوريا عبر تركيا ، البلد العضو في الناتو والمرشح للدخول الى الاتحاد الاوروبي ، دون ان تكون لهذه الدول اي معلومات عن الجهة التي يتوجهون اليها ، وهي دول منضوية في اتحاد قوي متماسك وترتبط امنيا وعسكريا.
ان تجربة السنوات الاربع الماضية اثبتت ان انتقال هؤلاء المقاتلين الى سوريا عبر تركيا تم بعلم وحتى دعم مخابرات اوروبية ، كانت تتصور ان سقوط النظام في سوريا ليس الا مسألة وقت ، وللاسف ان فكرة سقوط النظام السوري قد روجت لها الاستخبارات التركية والسعودية والقطرية والاسرائيلية ، التي ساهمت في توريط اوروبا وحتى الغرب في المستنقع السوري.
يبدو ان تاريخ الغرب مع الارهاب يعيد نفسه ، فبالامس قامت امريكا بتاسيس "القاعدة” بالتواطؤ مع السعودية وباكستان ، لاستخدامها ضد كل من يقف في وجه المشروع الامريكي في المنطقة ، وكذلك ضد الاحتلال السوفيتي لافغانستان ، الا ان عجلة الزمن دارت بسرعة فانقلب السحر على الساحر ، وعاد العرب الافغان الى بلدانهم فاخذوا ينهشوا بامنها ، كما حدث في السعودية وكما حدث في امريكا في هجمات الحادي عشر من سبتمبر ايلول 2001 ، واليوم تُعيد اوروبا لاسيما فرنسا ، خطا امريكا ، في سوريا ، حيث فتحت ابوابها امام كل من يريد القتال في سوريا ، بل وسهلت عملية الانتقال ، وغطت عليها ، الا ان السحر انقلب هذه المرة ايضا على الساحر ، فاخذ "الاوروبيون السوريون” ، يشكلون خطرا كبيرا على امن اوروبا.
ان تجربة امريكا وباكستان والسعودية مع "القاعدة” وطالبان في افغانستان وتداعيات هذه التجربة ، وتجربة الغرب وتركيا والسعودية والكيان الصهيوني مع "داعش” و”النصرة” واخواتهما في سوريا ، اثتبتتا وبشكل لا يقبل الشك ، خطورة استخدام الارهاب كوسيلة لتحقيق اهداف سياسية ، واثبتتا ايضا ان كل ما تعانيه منطقة الشرق الاوسط هو بسبب تدخل القوى الغربية وعلى راسها امريكا في شؤونها.