زيارة هنية ومؤتمر الفصائل وعودة الروح الى المقاومة الفلسطينية
سركيس ابو زيد
شهدت بيروت أسبوعًا فلسطينيًا بامتياز. برنامج حافل لرئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية، تُوج بلقاء مع الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، ومشاركة بمؤتمر عام للفصائل الفلسطينية لإنهاء الانقسام وترتيب البيت الداخلي، تخللته مواقف ضد التطبيع و"صفقة القرن". هذه الزيارة الاستثنائية الى لبنان أثارت عاصفة من ردود الفعل في لبنان وخارجه.. رد الفعل الأبرز جاء من دول الخليج الفارسي وعبر بيان رسمي صادر عن مجلس التعاون الخليجي، غير مألوف في لهجته العنيفة ولغة التأنيب للقيادات الفلسطينية التي شككت بمواقف دول مجلس التعاون.
رغم ثقل وتعدد الأزمات التي يتخبط بها لبنان، أثارت زيارة هنية موجة من ردود الفعل منها:
- رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع اتصل بوزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي واستنكر شكل زيارة هنية ومضمونها الخطابي وطلب توضيحات رسمية.
- القيادي في تيار "المستقبل" مصطفى علوش أعلن -في وقت كان هنية يلتقي النائب بهية الحريري- أن زيارة هنية تأتي في إطار الدعاية السياسية والإعلامية لمحور "الممانعة" الذي يريد أن يقول نحن موجودون، معتبرا أن توقيت الزيارة ليس صدفة، فهناك من يريد أن يوجه رسالة إلى الداخل والخارج من خلال زيارة هنية مفادها "إذا ضيقتم علينا فسنفتح في مكان آخر"، حسب زعمه.
- "لقاء سيدة الجبل" أعلن رفضه "عودة الفصائل الفلسطينية إلى ممارسة أي دور عسكري أو أمني وامتشاقها السلاح حتى للاستعراض على الأراضي اللبنانية"، حسب تعبيره.
في الواقع، زيارة هنية الى بيروت زيارة تضامنية أسوة بزيارات العديد من الرؤساء والمسؤولين في العالم الذين تدفقوا الى بيروت متضامنين معها بعد الانفجار المدمر والمروع، خصوصا وأن الشعب الفلسطيني كان أظهر تعاطفا مع الشعب اللبناني في محنته. كما ان زيارة هنية، مرتبطة توقيتا باتفاق التطبيع بين الإمارات و"إسرائيل" الذي خلط أوراق الصراع وأعاد إحياء الفرز في المنطقة بين محوري "السلام والمقاومة". وجاءت هذه الزيارة لتشكل الرد المباشر الأول على الاتفاق الإماراتي ـ الإسرائيلي الذي يمهد لـ"صفقة القرن" ويعد من مقدماتها.
من جهة أخرى، اللقاء بين هنية والسيد حسن نصرالله أرسى قواعد مرحلة جديدة من العلاقة بين "الحزب والحركة" ورفع درجة التعاون والتنسيق السياسي والعملاني بينهما على قاعدة التصدي للتطبيع الخليجي والعربي مع "إسرائيل" ولـ"صفقة القرن". وهكذا فإن لقاء السيد نصر الله ـ هنية يكتسب بعدا استراتيجيا، في ظل ظروف محتدمة وضغوط أميركية وإسرائيلية متعاظمة على "محور المقاومة". ولكن الثغرة الأساسية في هذا المحور ظلت تتمثل في استمرار قطع العلاقة بين دمشق وغزة. أما حزب الله، فإنه قرر اتباع سياسة التكامل بين علاقته الاستراتيجية مع دمشق وعلاقته المقاومة مع حماس .. وقام حزب الله بمحاولات ومبادرات لإعادة مد الجسور بين حماس ودمشق على أساس التصدي للخطر المشترك الذي يترجم عمليا بغارات على سوريا وغزة.
"لقاء القمة" بين حماس وحزب الله لم يكن الرد الوحيد على الاتفاق الإماراتي ـ الإسرائيلي، وإنما تمثل هذا الرد فلسطينيا على مستويين:
*الأول: إطلاق مرحلة تكريس المصالحة وتعزيز التنسيق بين حماس وفتح من بيروت التي شهدت اجتماعا للأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، وشارك فيه (عبر الفيديو) رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وخلص هذا الاجتماع القيادي الفلسطيني الى اتفاق على إنهاء الانقسام الفلسطيني وتطوير وتفعيل "منظمة التحرير"، وعلى تطوير المقاومة الشعبية وإيجاد قيادة وطنية ميدانية موحدة لإدارة الانتفاضة.
*الثاني: "استنهاض" الحالة الفلسطينية في لبنان بزيارة الى مخيم عين الحلوة أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان. ومن هناك أعلن أن التطبيع لا يمثل شعوب الأمة ونبضها وضميرها، وأن صواريخ المقاومة سترسم خريطة فلسطين على الأرض والميدان، وأن حماس طورت منظومة سلاحها ودكت بها "تل أبيب" وما بعد "تل أبيب".
مع صواريخ "ما بعد تل أبيب" المكملة لصواريخ "ما بعد حيفا" ترتسم مرحلة جديدة من العلاقة بين حزب الله وحماس.
من جهة أخرى أظهر اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد "افتراضيا" مؤخرا بداية تحول في الموقف العربي العام لجهة عدم التجاوب مع أي طلب ومقترح فلسطيني في كل ما يتعلق بقضية الصراع مع "إسرائيل" على نحو ما كان يحصل سابقا.
لم تصدر إدانة عربية للاتفاق الإماراتي ـ الإسرائيلي تجاوبا مع الرغبة الفلسطينية، ولكن في المقابل، صدرت تسريبات إدانة خليجية، للزيارة الفلسطينية التي قام بها إسماعيل هنية الى بيروت، مما يعبر عن تصاعد الانقسامات والخلافات العربية - العربية .