الأمم تفتخر بعظمائها والغرب بسفاحيه
حتى وان فرضنا جدلا وهذا مستبعد جدا ان لم توت هذه الحركات الاحتجاجية التي تعم اليوم الولايات المتحدة الاميركية وبعض الدول الاوروبية ضد التمييز العنصري البغيض، أكلها وتسجل نقاطاً على الارض لاقرار العدالة الانسانية لصالح البشرة السوداء، يكفي انها اضاءت على التاريخ العنصري الاسود المسكوت عنه في الغرب وعرته تماما وبرهنت للقاصي والداني ان العنصرية متجذرة في اميركا والغرب خلافا لما تتشدق هذه الجهات بالشعارات البراقة والمزيفة لمحاربة التمييز العنصري وأول دولة بدأت بتطبيق النظام العنصري هي الولايات المتحدة الاميركية في عهد ويلسون حيث طبق ذلك عمليا من خلال ممارساته اللاانسانية بطرد السود من وظائفهم واستبدلهم بالعنصر الابيض خلافا لكل القواعد الاخلاقية والانسانية. وبالطبع لايمكن ان نتجاهل الدور الرئيس لبريطانيا أم الخبائث في هذا المجال حيث هي أول من جلبت عبر تجارتها للرقيق، أبناء القارة السوداء الى اميركا.
وما تشهده الساحة الاميركية من تظاهرات واحتجاجات كبيرة وغير مسبوقة ما هو الا رد فعل طبيعي ضد الظلم التاريخي الذي وقع على السود حيث دفعهم اليوم للنزول الى الشارع بهذه القوة ومعهم البيض للمطالبة باقرار قانون العدالة ومحاربة التمييز العنصري بكل اشكاله.
فالحراك الشعبي والاحتجاجات في اميركا بات تتسع يوما بعد يوم وسط دعم من شعوب العالم وها هي اليوم تدخل الاحتجاجات الى الساحة الاوروبية ومن ابوابها الواسعة بدء بفرنسا وبلجيكا وسويسرا وكندا وانتهاء ببريطانيا المجرم الاول في اقرار قانون العبيد في اميركا حيث نزل المنتفضون من ابناء مدينة برستول البريطانية الى الشارع وانزلوا تمثال ادوارد كولستون احد ابرز تجار الرقيق واحد الساسة المحافظين ورموه في النهر وكأنهم يريدون التبرئة من تاريخهم الحافل بالعنصرية وينتقموا لروح "جورج فلويد". هذه الخطوة الرمزية التي تبشر بتدشين حقبة جديدة لكنس مظاهر العنصرية اعتبرتها لندن وعلى لسان وزيرة الداخلية عملاً مشيناً وتعهد عمدة المدينة بنقل التمثال الى متحف المدينة والاحتفاظ به.
وما كان سخيفا للغاية ومتناقضا لحد الفضيحة هو ان العنصرية متجذرة في الساسة البريطانيين وهذا ما انعكس وبكل وقاحة في حديث رئيس الوزراء بوريس جونسون الذي اعلن انه لا مكان للعنصرية في مجتمعنا في وقت طالب علناً بمحاكمة من اسقطوا التمثال حيث اعتقلت السلطات البريطانية 135 شخصا في هذا المجال.
التناقض الصارخ في حديث جونسون له دلالة كبيرة على ان العنصرية متجذرة في ساسة الغرب ولايمكن لهم ان ينفصلوا عنها مهما رفعوا من شعارات مزيفة في هذا المجال لانه جزءاً من النظام الرأسمالي الفاسد. فاسقاط مثل هذه التماثيل التي ترمز الى العنصرية والعبودية امر طبيعي يتماشى مع الفطرة الانسانية لكن ما هو غير انساني وغير اخلاقي أن تصر بعض الدول الاوروبية واميركا على الاحتفاظ بنصب تذكارية للجناة والمجرمين الذين اساؤوا للانسانية وهذه فضيحة مدوية تكشف عن تاريخهم الاسود ولم تجلب لهم سوى العار وهي بالتالي تتناقض مع شعاراتهم التي يرفعونها لخداع الشعوب، فيما تذهب الامم الاخرى وخلافا لمنهجهم المعوج، لتنصب التماثيل لعظمائها من الفلاسفة والمفكرين والشعراء والساسة الذين خدموها.