kayhan.ir

رمز الخبر: 112241
تأريخ النشر : 2020May09 - 19:51

إيهود باراك يروي حكاية الهروب الإسرائيلي من لبنان

القسم الثاني والاخير

في عرض عملياتي اسبوعي في يوم الخميس 11 ايار/مايو، طلبت قيادة الشمال ان تسلم في الاسبوع القادم استحكامين (موقعين) للجيش الاسرائيلي أحدهما موقع الطيبة الى جيش لبنان الجنوبي. أقر الطلب رئيس الاركان ورفعه حتى أوقعه. اقريت مبدئيا التسليم وارفقت توجيها باطلاعنا قبل تسليم موقع الطيبة لجيش لبنان الجنوبي والذي كان استحكاما مركزيا وقريبا من الحدود غربي المطلة.

في يوم الاحد 14 ايار/مايو، تبلغت بنقل موقع الطيبة لجيش لبنان الجنوبي. سكرتيري العسكري، اللواء غادي آيزنكوت، الذي كان في الماضي رجل قيادة الشمال، ضابط متماسك كالفولاذ، اوصاني الا اقر ذلك. فقد كانت حالات في الماضي نقل فيها الجيش الاسرائيلي استحكامات لجيش لبنان الجنوبي، لم تصمد واضطر الجيش الاسرائيلي للعودة اليها. قررت الا أتدخل في اعتبارات قيادة الشمال. ولكني أمرت بالاستعداد لدعم جيش لبنان الجنوبي.

في 18 ايار/مايو، جاءتني عبر رئيس الاركان (موفاز) توصية قيادة الشمال بتقديم موعد الخروج كون الوضع في موقعي الطيبة و(روتم) اللذين نقلا الى جيش لبنان الجنوبي يهتز. لم يكن ممكنا تقديم موعد الاخلاء فورا لان ترسيم الحدود لم يكن قد خرج الى حيز التنفيذ، والامين العام للامم المتحدة لم يرفع تقريره بعد الى مجلس الامن. الكابينت عندنا لم يقر الخروج بعد. وجهت الجيش بمواصلة البقاء في المنطقة وطلبت من لوبراني وداني ياتوم تسريع العملية مع الامين العام. يوم السبت، في 20 ايار/مايو، ترك رجال جيش لبنان الجنوبي استحكامهم (موقعهم) في القنيطرة.

يوم الاحد، 21 ايار/مايو، في الساعة 11:00، جرت جنازة تشييع في قرية القنيطرة. وجاءت الى الجنازة مسيرة كبيرة نسبيا من قرية الغندورية، وفي هذه المسيرة، كان هناكمسلحون من حزب الله. وفي ختام الجنازة لاحظوا، وربما كانوا يعرفون مسبقا، بان استحكم جيش لبنان الجنوبي في القنيطرة قد هُجِرَ فدخلوا اليه. وهكذا بدأ السقوط. في غضون خمس إلى ست ساعات، سارواباتجاه الطيبة ودخلت مسيرات اضافية من خارج منطقة الحزام الامني الى منطقة القنيطرة.

في مساء ذات اليوم، 21 ايار/مايو، استحكام (موقع) الجيش الاسرائيلي في الطيبة ايضا، الذي نقل قبل اسبوع من ذلك الى جيش لبنان الجنوبي، هجره عناصر الجنوبي. في اليوم نفسه، سيطر عليه رجال حزب الله ورفعوا عليه اعلامهم. اللواء الغربي (منطقة بنت جبيل الناقورة) لجيش لبنان الجنوبي كان في حالة انهيار.

باراك: منظمة حزب الله ما كان يمكن تصفيتها. هذه حركة مقاومة اصيلة توجد داخل القرى بغطاء مدني. ليس لديك اي سبيل لتصفيتها دون الدخول عميقا في لبنان بما في ذلك الى صور وصيدا والبقاء هناك

​يوم الإثنين في 22 أيار/مايو، رفع غادي آيزنكوت الي طلبا من موفاز بان نلتقي عند الحدود مع لبنان. صعدت الى الشمال واستجبت للطلب. حددنا اللقاء في محمية، في استحكام (موقع) قريب من الحدود. عندما وصلنا الى هناك، قال لي موفاز "يحصل امام ناظرينا ما تخوفنا منه”. مناورة قيادية كبيرة في قيادة الشمال جرت في ذاك اليوم في المنطقة اوقفها موفاز قبل وقت قصير من ذلك عندما تبين له بان قائد الفرقة المناورة لا يعرف ما يجري في المنطقة في نفس الوقت، على مسافة مئات الامتار خلف الحدود. هو يعيش فقط في المناورة. كان واضحا لي على الفور باننا امام انهيار، على الاقل لواء جيش لبنان الجنوبي اياه، وسيتعين علينا الخروج في اقرب وقت ممكن. بل وربما هذه الليلة، وليس بعد ثلاثة اسابيع او ستة اسابيع.

​سألت: "هلقدرتم وضعا كهذا”؟ قالوا: "لا أحد منا إعتقد انه سيحصل (الإنهيار) بهذه السرعة. وعمليا بدون اي قتال”. سألت: "ماذا تحتاجون اذا اردتم العودة الى الطيبة”؟ قالوا: "الدخول بلوائين”. كان واضحا لي اننا اذا احتلينا الطيبة مجدداً، فستكون هناك مناوشات شاملة مع حزب الله. هذا سيلغي الخروج أو سيكون خروج تحت النار. في ضوء علائم التفكك في بعض ألوية جيش لبنان الجنوبي، كانت توصية كل الحاضرين انه يجب الخروج في أقرب وقت ممكن. وكما أسلفنا كان هذا واضحا لي ايضا. عرفت ايضا انه في غضون ساعات قليلة ستنقل رسالة الامين العام الى مجلس الامن والتي تؤكد ان اسرائيل تعود الى حدود يبدأ مساحو الامم المتحدة في غضون ايام قليلة في ترسيمها. هذا سيمنحنا ختم الشرعية الذي نحتاجه في المستقبل. شرعية الخروج وفقا لقرار 425. يتبقى فقط اقرار الكابينت. ولكن من الحيوي الابقاء على المفاجأة فيالتنفيذ. اعود الى المكتب. أدعو موفاز وأساله: "برأيك هل هم قادرون (جنودنا) على الخروج الليلة”؟ فيجيب "اعتقد أن نعم”. الحقيقة هي أن هذا ما فهمته أنا ايضا عندما كنا في المحمية. ولكنه طلب الاستيضاح، وعاد لي بعد ربع ساعة بعد أن تحدث مع اشكنازي وقائد الفرقة موشيه كابلنسكي. وقال لي: "يحتاجون الى يوم آخر”.

​”عقدت جلسة كابينت سريعة في ذات الليلة واخذت تعهدا من الوزراء للابقاء على السر. هذا يساوي حياة الانسان. تلقيت موافقة من الكابينت على أن أقرر مع رئيس الاركان موعد التنفيذ. اقريت لرئيس الاركان ان يقر لقيادة الشمال نهائيا باننا سنخرج غدا وفي ليلة واحدة. اي الليلة التي بين 23 و 24 أيار/مايو. تأكدنا في سياق الليلة ذاتها بان الامين العام للامم المتحدة رفع الى مجلس الامن الكتاب الذي يقول ان اسرائيل تعمل وفق قرار مجلس الامن 425 وستخرج الى الحدود التي سيرسمها مساحو الامم المتحدة.

بدا لي أن يوم 23 ايار/مايو يمتد كالابد. اللواء الغربي لجيش لبنان الجنوبي انهار أول أمس. والشرقي انهار أمس. وفي هذه الاثناء لا نار. ولكن يمكن لهذا ان يتغير في كل لحظة. ولا يتحرر التوتر الا عندما يهبط الليل وتبدأ تقارير التنفيذ بالتدفق من كل الجبهات. بقي قليل من عتادنا ودبابات جيش لبنان الجنوبي. كانت هناك منشآت ووسائل يفترض بنا أن ندمرها ولم نتمكن. ولكن الخروج نفذ بنجاح استثنائي. بلا أي مصاب”.

​يسأل المراسل الإسرائيلي أوري ميلشتاين "ألم يكن بمقدورنا تصفية حزب الله”؟ يجيب إيهود باراك:”منظمة حزب الله ما كان يمكن تصفيتها. هذه حركة مقاومة اصيلة توجد داخل القرى بغطاء مدني. ليس لديك اي سبيل لتصفيتها دون الدخول عميقا في لبنان بما في ذلك الى صور وصيدا والبقاء هناك. بين كل منتقدي الخروج، لم أجد من يريدون العودة الى لبنان، حتى اولئك الذين وعدوهم بان الدخول سيكون هو ايضا دون اي مصاب. يمكن توجيه ضربة قوية ولكن لا يمكن تصفية الحزب. يمكن في ظروف معينة تصفية جسم ارهابي في داخل ارض تكون بين سيطرتك الكاملة. يجدر بالذكر اننا لم ننجح في أن نصفي تماما ايضا خلايا الارهاب التي تنمو بين الحين والاخر بين السكان الفلسطينيين في المناطق. لا اعتقد انه كانت هناك امكانية عملية لتصفية حزب الله”.

يتوجه مراسل "معاريف” أوري ميلشتاين بالسؤال الأخير إلى باراك: يزعمون أن الخروج من لبنان قوّى حزب الله وهو اليوم أكثر تهديداً بكثير؟

يجيب إيهود باراك: "السنوات الست الأولى منذ الخروج من لبنان ولغاية حرب لبنان الثانية (2006)، كانت الأكثر هدوءاً في العقدين اللذين سبقا الخروج وأدّت إلى ازدهارٍ كبير في الشمال. منذ الخروج، حزب الله صار أقوى، لكن قليلاً جداً. عدد الصواريخ بحوزة حزب الله كبر من 7 آلاف إلى 14 ألفاً. لكن المدايات لم تتغير، والنمو كان حوالي 1000 سنوياً. النمو الهائل حصل من 2006 إلى 2019 وأوصل ترسانة الصواريخ إلى 140 ألفاً وبمدايات تغطّي تقريباً كل إسرائيل. وتيرة النمو المتوسطة تغيرت من ألف في السنة، في السنوات التي تلت الخروج من لبنان، إلى 10 آلاف في السنة، في السنوات التي تلت حرب لبنان الثانية. أكثر من هذا، تعاظم حزب الله كقوة مقاتلة يجري من سنة 2011، في الأساس عن طريق خوض المعارك في سوريا. ليس في قتالٍ معنا في لبنان، أذكر أنه بعد عدة سنوات، عبواتهم الصخرية لم تختلف عن عبوات الجيش الإسرائيلي لجهة مستوى التمويه. نشأت منافسة أدمغة مع حزب الله… لو كنا بقينا في لبنان، وعززنا جيشنا هناك بفرقة نظامية وأكثر، كنا سنجد صعوبة في شن عملية "السور الواقي” بنجاعة. سواء لنقص القوة النظامية، أو لأنه عندما نكون داخل لبنان، في احتكاكٍ مباشر ويومي مع حزب الله، خطر اشتعال جبهة ثانية بصورة كاملة مع حزب الله هو أعلى بكثير، وهذا آخر أمرٍ كنا نحتاجه”.

الميادين