kayhan.ir

رمز الخبر: 11059
تأريخ النشر : 2014November30 - 21:18

مكامن القوة الإيرانية ونقاط الضعف الأميركية في المفاوضات النووية

علي فواز

يعمل الوقت لصالح إيران في مفاوضاتها النووية. هذه إحدى نقاط قوتها التي تفرض على إدارة أوباما إنجاز اتفاق معها. لكنه ليس مكمن القوة الوحيد. تحتفظ إيران في جعبتها بأوراق كثيرة. منها ما بات معروفاً ومنها ما لم يكشف عنه بعد.

تدير إيران ملفها النووي اعتمادا على عدد من عناصر القوة. يدرك الأميركيون جيداً مدى نفوذها الإقليمي وقدراتها العسكرية والدفاعية. أي حرب معها لها كلفتها. هذا عدا عن العوائق الاقتصادية والداخلية الأميركية التي تحول دون هذه الخطوة. أيضاً التحديات الآتية من المارد الصيني والدب الروسي.

في الحسابات الأميركية يعمل الوقت لصالح إيران. مجلة فورين بوليسي نشرت مقالا للكاتب جيفري لويس أوضح فيه تبعات تأجيل المفاوضات. من بينها استمرار إيران بإجراء الأبحاث النووية. كذلك انكبابها على تطوير جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي الذي يعمل بقوة تزيد أضعاف المرات بالمقارنة مع قوة الأجهزة التي تملكها حاليا. يؤكد هذا الأمر أنه كلما تأخر إنجاز الاتفاق، تقدمت إيران خطوة إضافيه في برنامجها النووي.

بالمقابل تمتلك الولايات المتحدة أوراق ضغط على إيران. العقوبات الاقتصادية إحدى هذه الأوراق الفعالة، كذلك افتعال فتنة سنية شيعية في المنطقة. سبق أن لوّح أوباما بالخيار العسكري أيضاً، لكن من المحتمل أن يكون في سياق التهويل والحرب النفسية.

من هنا يذهب الطرفان إلى المفاوضات لإنجاز اتفاق يسمح لكل منهما بالادعاء أنه حقق إنجازاً. هناك من يعتقد في أوساط الخبراء والمراقبين أن مكاسب إيران من التفاهم ستكون أكثر من مكاسب أميركا. مثل هذا الاتفاق ينطوي ضمناً على اعتراف دولي بتحول إيران من لاعب إقليمي أساسي إلى طرف دولي فاعل يحسب له ألف حساب. لماذا تقدم واشنطن هذه الهدية لإيران إذاً؟ هل انعدمت خياراتها بحيث تكرّس النفوذ الإيراني في اتفاق برعاية دولية؟

مصلحة أميركا بالاتفاق

ثمة رأي سائد في أوساط الحزب الجمهوري الأميركي وعدد من الديموقراطيين يعتبر أصحابه أن التوقيع على اتفاق مع إيران سوف يؤدي إلى تقويتها وتعويم دورها الإقليمي. لكن باراك أوباما لديه مقاربة مختلفة للموضوع، فهو يريد أن يسجل ضمن منجزاته أنه أول رئيس أميركي استطاع تدجين إيران واحتوائها بعد مرور 35 سنة من العداء. هذا الأمر يعتبر استراتيجيا بالحسابات الخاصة بإدارة أوباما كما يرى الباحث السياسي الدكتور حبيب فياض.

لكن هل من شك بهواجس الجمهوريين؟ وهل يقدم أوباما مصلحته الشخصية على الوطنية؟

الإشارة إلى اللعبة الديموقراطية الأميركية قد تساعد في إيضاح الصورة على هذا الصعيد: تسجيل نقاط على الخصم السياسي الداخلي عبر إبراز مساوئ خياراته أو التسويق على أنها سيئة. لا بد أيضاً من التنويه بعلاقات الجمهوريين الوطيدة مع إسرائيل المعارض الشرس للاتفاق النووي. البعض يضيف علاقاتهم بصناعة الأسلحة التي تنتعش من الأزمات ومنها أزمة الشرق الأوسط. يشير هؤلاء إلى عشرات مليارات الدولات التي أنفقتها دول الخليج العربي في السنوات الأخيرة في شراء الأسلحة الأميركية.

لكن على مسافة بعيدة من القارة الأميركية ومن الجمهوريين ثمة وقائع وتحديات تجد أي إدارة أميركية نفسها مضطرة للتعامل معها. سواء باتفاق أو من دونه، لا يمكن تجاهل نفوذ إيران في المنطقة أو الحد من قدراتها، ولا إيقاف برنامجها النووي.

إلى هذا الواقع يضيف الدكتور فياض مسألة أخرى. يقول إن العلاقات بين إيران وأميركا لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية على هذا النحو من المراوحة في حالة اللاحرب واللاسلم. ويعتبر أن إيران التي تتعرض لعقوبات قاسية لا يمكن أن تظل مكتوفة الأيدي إلى ما لا نهاية. لذلك ما سرع من وتيرة المفاوضات برأيه ودفع إلى التوقيع على اتفاق جنيف أواخر العام 2013 (أول اتفاق محدد ومكتوب بين إيران والدول الست) هو القراءة الأميركية التي تقول إن البديل من التفاهم مع ايران هو الدخول بمواجهة عسكرية مباشرة معها.

يصب هذا الرأي في بعض مما نشر في الصحف الأميركية. على سبيل المثال ذكرت صحيفة "ساينس مونيتور" أن تأجيل المفاوضات يبقى أفضل من انهيارها، لأن البديل برأيها حرب كارثية لا هوادة فيها.

صحيفة "نيويورك تايمز" نشرت بدورها مقالا للكاتب روجر كوهين دعا فيه إلى عدم التشاؤم جراء تمديد المفاوضات. واعتبر أن الحل الدبلوماسي يبقى هو الأفضل، وأوضح أن انهيار المفاوضات من شأنه نشوب حرب كارثية في الشرق الأوسط.

إذا لم تصل المفاوضات النووية إلى نتيجة فإن المتضرر الأكبر ستكون أميركا وليس إيران. كلام أعلنه منذ أيام قليلة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي. وأكد على أن إيران لن تتضرر وطريق الحل لديها هو الاقتصاد المقاوم. يتولى الدكتور فياض شرح أسباب تضرر أميركا إذا فشل الاتفاق. يقول إن "العقل الغربي عندما يتهم إيران بإمكان امتلاك قنبلة نووية يعني بالحسابات الإستراتيجية الغربية التعامل معها على أساس أنها قوة عسكرية، والمرشد على ما يبدو يشير إلى مسألة أساسية بأن إيران سوف تذهب إلى تنفيذ كل مشاريعها النووية السلمية".

هذا الأمر يضع الأميركي أمام خيارين: إما أن يتفاهم مع إيران حول هذا الموضوع وإما أن يتعامل معها كقوة نووية عنوةً. لذا ليس من مصلحة أميركا كقوى عظمى أن تجد إيران قوة نووية بعيداً عن حالة التفاهم معها.

وفي سياق الملف التفاوضي يعدد فياض عدد من نقاط القوة التي تتمتع بها إيران:

- النقطة الأولى أن أصل المسألة النووية هي خارج الخلاف. يتمسّك الإيرانيين بحقهم بإمتلاك الطاقة النووية خارج التجاذبات السياسية.

- النقطة الثانية أن إيران أنجزت بنية تحتية لمشروعها النووي بالرغم من كل الضغوط والعقوبات وأصبح الموضوع أمراً واقعاً. في هذا الإطار تفاوض طهران على ما لم يُنجز وليس على ما أنجز. تقول إنها لن تقدم على مزيد من الإنجازات النووية ولكن لا تسمح بمس بنيتها النووية.

- النقطة الثالثة تتعلق بموضوع العقوبات. صحيح أن هذا الأمر يحرج الإيرانيين، لكنه لن يؤدي إلى إنهيار الإقتصاد الإيراني أو إلى وضع إيران في مشكلة لا تستطيع التعامل معها.

- النقطة الرابعة قانونية حيث تلتزم إيران من خلال تعاملها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بكل المعايير الدولية.

يضاف إلى ذلك حالة التحوّل في العلاقة بين طهران وموسكو من التفاهم إلى التحالف. روسيا التي شاركت سابقاً بالعقوبات ضد إيران في مجلس الأمن تقف اليوم إلى جانبها أكثر من أي وقت مضى، وتقول للإيرانيين بأن عليهم الثبات وعدم تقديم تنازلات، وهذا أمر لا يمكن التقليل من شأنه.

جمهوريون في أميركا ومحافظون في إيران

خامنئي: إيران لن تتضرر من فشل الاتفاق وطريق الحل لديها هو الاقتصاد المقاوم (أ ف ب)

خامنئي: إيران لن تتضرر من فشل الاتفاق وطريق الحل لديها هو الاقتصاد المقاوم (أ ف ب)

في الجانب الأميركي هناك اعتراض وازن من الجمهوريين على التفاهم مع ايران. بالمقابل لا يبدو المحافظون في إيران متحمسين للاتفاق مع أميركا. في ظل ذلك، هل من الممكن أن يعيق هؤلاء الاتفاق لاسيما بعد نجح الجمهوريون بالحصول على الأكثرية في الكونغرس؟

أوباما سبق أن أعلن أنه سيتكفل بإقناع الجمهوريين فضلاً عن الشعب الأميركي بالاتفاق في حال التوقيع عليه. ويتصور فياض أنه إذا نضج التفاهم لن تكون العراقيل الأميركية الداخلية مانعا حقيقيا أمامه، كذلك الحال في المقلب الإيراني حيث هناك خلاف حقيقي يعترض فيه المحافظون على أي تقارب مع واشنطن.

ويرى فياض أن المحافظين يعتبرون أنه إذا بدأت عملية التفاوض على خلفية الملف النووي فمن الممكن أن تنسحب على ملفات أخرى، وصولا إلى مرحلة التطبيع مع دولة ما زالوا يعتبرونها استكبارية وشيطانية، ولا يوجد معطيات بنظرهم يمكن البناء عليها تبرر التقارب مع الجانب الأميركي.

انعكاس المفاوضات على بؤر التوتر في المنطقة

بين التفاؤل والتشاؤم تتراوح آراء المراقبين والمتابعين لملف المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (5+1). في هذا الإطار يعاكس حبيب فياض آراء المتشائمين ويصف نتائج المفاوضات الأخيرة في فيينا بأنه "تفاهم لم يبرم". بمعنى أنه أنجز ولكن لم يتم التوقيع عليه. والسبب؟ ما زال كل طرف يراهن على الحصول على مزيد من التنازلات من الطرف الآخر.

عند هذا الحد إلى أي مدى يمكن أن تنعكس عملية التفاوض بما انتهت إليه على بؤر التوتر في المنطقة؟

يجيب فياض "ربما ينعكس بشكل غير مباشر، ولكن هناك تفاهم ضمني بين إيران والغرب بأن الملف النووي قائم بذاته ويجب فصله عن غيره من والملفات".

وعن ارتباط المفاوضات النووية بملفات سياسية أخرى يرى فياض أن الجانب الإيراني يرفض الخوض في ملفات أخرى، ويصر على إبقاء المفاوضات محصورة بالملف النووي. لكن ذلك لا يعني أن الملفات الأخرى غير حاضرة أو أنها لا ترخي بثقلها على العملية التفاوضية، لكن باعتقاد فياض أنه لا يتم الخوض بها، وهذا الأمر يساهم في تقليص الثقة المتبادلة بين الجانبين.

تبعاً لذلك يرى فياض أن المشكلة بشكلها الأساسي تقنية أكثر منها سياسية، باعتبار أن الاتفاق الذي حصل نهاية العام 2013 (أي اتفاق الإطار الأولي في جنيف) وفر غطاء سياسيا كافيا للاستمرار بالتفاوض. هذا الإطار حدد نقطة البداية التي يجب الانطلاق منها ونقطة النهاية التي يجب الانتهاء عندها، وهذا يمثل الحد الأدنى من التفاهم السياسي بين الجانبين.

على هذا الأساس يبدو أن الأمور في الجانب التقني لا تزال متوقفة عند ثلاث مسائل:

- المسألة الأولى عدد الطرود المركزية التي يحق لإيران الاحتفاظ بها.

- المسألة الثانية هو المنشآت النووية الايرانية القائمة حالياً. ايران لا تريد وقف العمل بأي منشأة في حين أن الغرب يرواح مطلبه بين تجميد المنشآت أو تفكيك بعضها، وتحديداً منشأة آراك.

- الجانب الايراني يطالب برفع العقوبات فورا أو تدريجيا خلال ستة أشهر، في حين أن الجانب الغربي يريد رفع العقوبات في مدّة زمنية تصل إلى سنتين من تاريخ توقيع الإتفاق.