الجوكر... شخصية خيالية أم رمز إعلامي
د. صلاح عبد الرزاق
تعد تظاهرات عام 2019 أوسع وأكبر حركة احتجاجية يواجهها النظام الديمقراطي منذ تأسيسه عام 2003. هذه المقالات هي جزء من كتاب يتناول انتفاضة تشرين ودور المرجعية في دعمها وتسديدها.
الجوكر
الجوكر Joker أو المهرج هي شخصية خيالية عدائية شريرة ظهرت في القصص المصورة كعدو للرجل الوطواط . الشخصية من تأليف كل من جيري روبنسون وبيل فينغر ونوب كين. ويرتدي الجوكر ملابس المهرج الملونة ويلّون وجهه بأصباغ المهرج الأبيض والأحمر والأخضر. يعد الجوكر من أكثر الشخصيات الشريرة في الأدب والسينما رغم أنها شخصية خيالية.
وكان أول ظهوره في القصص المصورة عام 1940 في مجلات باتمان "Batman" الشهيرة . يظهر الجوكر كمجرم خبير يعاني من عقد نفسية تجعله يتلذذ بالتعذيب والقتل وتدمير المجتمع. يعاني الجوكر من انفصام الشخصية ، يتحدث أحياناً ، بعبارات فلسفية ، لكن ذلك لم ينف جنونه الواضح في أغلب تصرفاته.
فيما بعد تم تمثيل الشخصية في عدة أفلام قام بها الممثل جاك نيكلسون في فلم باتمان عام 1989 . في أفلامه لا يبالي الجوكر بحياة البشر ، فهو مستعد لقتل أكبر عدد ممكن من الناس تلبية لأهدافه. ولا يتورع عن قتل رئيس عصابة ويسيطر على أتباعه، أو محقق الشرطة ، أو قاضية تحاكم العصابات. فتارة يحرق الأموال التي يسرقها ، وتارة يزرع قنبلة في أحشاء أحد أتباعه الذين قبض عليهم معه ، وفجّرها لتحرير نفسه من الحجز.
في فيلم (الجوكر محامي الشيطان) الذي أنجز عام 1996 ، قتل الجوكر أكثر من ألفي شخص.
يرتكب الجوهر جرائم وحشية وغريبة بمنطق وتفكير لهما معنى له وحده. ويترك الجوكر ابتسامات ماكرة على وجوه ضحاياه بعد موتهم. يستخدم الجوكر أسلحة كوميدية لقتل ضحاياه ، ولكن أخطرها هم سم الجوكر ، وهو سلاح غازي خطير حيث يجعل المصاب يضحك حتى الموت. كما يستخدم الجوكر السكاكين والأنصال وزر الكهرباء المخفي في يده دائماً وفخاخ المتفجرات .
ويتحدى الجوكر النظام والقانون الذي ينظم المجتمع وعلاقاته ، ويسعى دائماً لتخريب هذا النظام ولا تهمه النتائج في حجم الأضرار المادية والخسائر البشرية طالما يحقق أهدافه.
وقد ظهرت دراسات ومقالات لتحليل شخصية الجوكر ومدى ارتباطها بالفلسفات والنظريات السيكولوجية. يقول أحد الكتاب (يبدو لنا الجوكر وكأنه جاء من لا مكان، يظهر فجأة فى مدينة جوثام ليقلب فيها الأمور رأساً على عقب، ونحن لا نمتلك أي دليل محدد عن ماضي الجوكر، حتى أن كوميشينر جوردون عندما ألقي القبض عليه لم يستطع الوصول لأي معلومة عنه. وعلينا أن نتساءل: هل انعزل الجوكر مثل بوذا أو المسيح أو زرادشت (نيتشه) ليتأمل أو يقرأ، هذا ممكن، أم أن الأمر كله كان نتاج حياة وخبرات ممتلئة صاغت آراءه وأفكاره عن العالم؟ كل ما نستطيع الجزم به هو أنه من المستحيل أن يكون الجوكر بلا ماضِ، وطريقنا الوحيد لمعرفة ماضيه هو آراءه وأقواله نفسه، التي لا بد من تحليلها ومعرفة ما يدل منها على تاريخه. .
و يضيف (الجوكر ربط – بوعي أو بغير وعي – الآلام التي تعرض لها أثناء الجرح الذي حدث بفمه بالآلام التي تعرض لها من علاقته بأبيه وزوجته، مما جعله يضع المواقف الثلاثة على مستوى واحد في الذاكرة، أذكر أنني قرأت رأياً للفيلسوف الأوروبي جان جاك روسو يقول فيه إن الذاكرة هي الفيصل في تأصيل الشعور بالألم، لأن الامتداد الزمني الحاضر للألم الجسداني يكون ضيقا للغاية. ( وأن (اللعب وفقا للجدل الهيجلي عند الجوكر اتخذ شكلاً منحرفاً (مثلما انحرف عن التحليل النفسي كما أوضحت سابقاً)، الجوكر أوهم رجال العصابات أنه يريد خدمتهم مقابل المال، عرض عليهم أن يقتل باتمان، ولكنه في الحقيقة كان يريد أن يستخدمهم، أن يستعبدهم، أو بمعنى أدق أن يشيّئهم لصالحه. الأحداث التي رأيناها في مدينة جوثام جعلت الجوكر سيداً على كل أفراد المدينة (الذين كانوا يتحركون بأوامره أو كردود أفعال لتصرفاته) عدا باتمان. ولكن هل كان الجوكر يريد قتل باتمان حقاً؟! قال الجوكر لباتمان وهو يضحك بشكل هيستيري حتى أنك تتخيله يبكي: ” أنا لا أريد قتلك، ماذا يمكنني أن أفعل بدونك، أعود لأسرق رجال العصابات، لا .. فأنت تكملني!”).
هذه الشخصية العدوانية الشريرة تم اتخاذها رمزاً في بداية الانتفاضة ، وظهرت على مواقع الفيسبوك المرتبطة بالحركة الاحتجاجية. كما ظهر في التحرير وغيرها أشخاص ، منهم صحفيون واعلاميون ومدونون، يصبغون وجوههم على شكل الجوكر، ويتفاخرون بذلك.
هذا التبني الواضح للجوكر من قبل أدبيات وإعلام الحركة الاحتجاجية أثار استغراب المراقبين والباحثين متسائلين: ما الهدف من جعل الجوكر معلماً وطنياً وهو يختزن الشر والحقد والجريمة؟ هل اتخاذ الجوكر رمزاً يمثل حركة طفولية متهورة أم تقف خلفه أهداف ونوايا عدوانية؟ هل يعقل أن شباب التظاهرات يتخذون من رمز أمريكي إجرامي أسوة لهم ويتركون الرموز العراقية والثقافية؟ كيف يمكن الربط بين شخصية الجوكر الأمريكي وتسمية المطعم التركي بجبل أحد؟
كل ذلك جعل وسائل التواصل الاجتماعي تطلق تسمية الجوكر أو عصابات الجوكر على منفذي أي عملية حرق أو تخريب لمبنى حكومي أو أهلي أو حزبي أو محال تجاري تعود لمواطنين لا علاقة لهم بالحكومة أو الأحزاب. ولا يطلقون التسمية على المتظاهرين السلميين.
من جانب آخر لوحظ أن المدونين المساندين للحركة الاحتجاجية صاروا يعارضون اطلاق تسمية الجوكر على من يقوم بعمليات حرق وتخريب أو الاعتداء على رجال الشرطة. وهذا يبدو تناقضاً صارخاً ، فمن جهة يتبنون الجوكر رمزاً للتظاهرات، ومن جهة يرفضون تسمية المخربين بها. كما لوحظ أن هؤلاء المدونين يردون على خصومهم باستخدام عبارة (جوكرات الأحزاب) على المسلحين أو القناصين و من يتعرض للمتظاهرين أو يحرقون الأسواق والمحال التجارية.