التدخل التركي في ليبيا والعلاقات التركية - الروسية
سركيس أبوزيد
احتدمت الأزمة في ليبيا مع دخول أطراف كبيرة على الخط، وأول هذه الأطراف تركيا التي بادرت الى تدخل عسكري وسياسي، في وقت تقف فيه دول الجوار وفي صدارتها مصر، قلقة مما آل إليه الوضع من وصول تركيا الى حدودها، ومن نشوء حالة تطرف وإرهاب مجاورة لها. في حين أظهرت أوروبا رغبة في إيجاد حل سياسي للأزمة عبر "مؤتمر برلين"، لأن ليبيا قريبة جدًا وعلى مرمى حجر من ساحلها الجنوبي، وكذلك الأمر بالنسبة الى روسيا التي تسعى الى مد نفوذها في المنطقة. من أجل ذلك، نظم بوتين مشروع اتفاق على وقف النار بالتنسيق مع أردوغان، ولكن هذا الاتفاق بين طرفي النزاع الذي وقّعه رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السرّاج، لم يوقعه قائد الجيش الوطني اللواء خليفة حفتر الذي غادر موسكو من دون التوقيع على المبادرة الروسية - التركية للتهدئة، بعدما تبيّن له أن هذا الاتفاق كان للتحايل على تقدم الجيش على الأرض، وعرقلة خطة سيطرته على العاصمة طرابلس، وأن تركيا هي التي تقود عملية التفاوض، وشروط المبادرة برمتها كانت تصب لصالح أنقرة وشرعنة مذكرة التفاهم البحرية التي وضعتها مع حكومة السراج.
الرئيس التركي أردوغان هاجم حفتر متوعّدا بـ"تلقينه الدرس اللازم"، متهما إياه بالهرب من التوقيع على اتفاق وقف النار في موسكو بعدما وافق بادئ الأمر، وقال أردوغان في اجتماع المجموعة البرلمانية لحزب "العدالة والتنمية" الحاكم في البرلمان التركي: "لا يمكننا البقاء مكتوفي الأيدي حيال ما يحدث في ليبيا، الذين يلطّخون ليبيا بالدم والنار، يظهرون في الوقت نفسه حقدهم تجاه تركيا، والذين يسألون عن سبب وجود تركيا في ليبيا، يجهلون السياسة والتاريخ........ كانت ليبيا لعصور طويلة جزءا مهما من الدولة العثمانية، فثمة روابط تاريخية وإنسانية واجتماعية تربطنا مع ليبيا، لأجل هذا لا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي حيال ما يجري هناك".
تركيا بدأت تدخلها في ليبيا عسكريا عبر إرسال إمدادات عسكرية إلى حكومة "الوفاق" في مواجهة "الجيش الوطني"، ما أدى الى تصاعد التوتر بين الأطراف الليبية المتحاربة. وبدأت أنقرة التخطيط لوضع أقدامها في ليبيا رسميا عبر توقيع مذكرتي تفاهم بين رئيس حكومة "الوفاق" فائز السراج والرئيس رجب طيب أردوغان في 27 تشرين الثاني الماضي:
الأولى: تتعلق بالتعاون الأمني والعسكري.
والثانية: تتعلق بتحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط.
مسارعة أردوغان الى توقيع الاتفاقات الأمنية والاقتصادية مع حكومة الوفاق الوطني، تهدف الى حماية خطط تركيا والتمدد في مياه البحر المتوسط، وتوسيع نفوذها في مواجهة أطراف إقليمية تضم مصر واليونان وقبرص و"إسرائيل"، واستثمار مخزون الغاز والنفط المكتشف في المنطقة، فضلَا عن الاستفادة من أجواء الحرب الليبية للخروج بحزمة مكاسب تمكّنها من رسم خريطة البلد الغني بالنفط، على نحو يخدم مصالحها.
كما أن أنقرة ترغب في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في ليبيا، خاصة في قطاع البناء. والتدخل في ليبيا يمثّل أيضًا مكسبًا لأردوغان على الصعيد السياسي عبر حشد قاعدته الانتخابية حوله في وقت تشهد تركيا صعوبات اقتصادية.
في المقابل، يذهب خصوم أردوغان في المنطقة الى حد القول إنه يريد إحياء تنظيم "داعش" على الشاطئ المتوسطي المواجه لأوروبا جراء رفض الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا إليه، حيث يسعى أردوغان إلى استخدام الإرهاب الأصولي كإحدى أوراق نفوذه ضد ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال، وقبلها اليونان وقبرص، وهو صرّح قبل فترة بأنه قادر على فتح بوابات الوصول إلى أوروبا أمام اللاجئين والدواعش لإغراق أوروبا، وربما إحراقها بنيران الدواعش ومن لفّ لفّهم. فضلا عن أن له مأربًا آخر يتصل بعمق القارة الأفريقية، وهو يدرك أن ما فقده من أوهام الخلافة في الشرق الأوسط، ربما يجد له صدى في وسط أفريقيا، حيث يغيب الأمن عن بعض الدول، ولا سيما المفككة اجتماعيًا، وحيث تنتشر جماعات الإرهاب المشابهة من "حركة الشباب" و"بوكو حرام" وغيرهما، وغالبيتها قد أعلنت ولاءها وانضواءها تحت راية تنظيم "داعش".
التدخل التركي في ليبيا أثار ردود فعل داخلية وخارجية:
داخليًا، اعتبر البرلمان الليبي القرار التركي غزوًا استعماريا لليبيا، وانتهاكًا صارخًا لسيادتها، وأنه في حال دخول القوات التركية إلى ليبيا، فإن البرلمان سيعلن حالة الجهاد في عموم البلاد لمقاتلتها.
أما خارجيًا، فتحرك دبلوماسي دولي وعربي متسارع لاحتواء الأزمة السياسية الليبية. وقد جاءت التحذيرات الدولية لتؤكد على أن التدخل الأجنبي في الحرب الأهلية المتصاعدة يعقد الوضع في ليبيا، ويزيد من زعزعة استقرار البلاد والمنطقة ككل.
هذه التطورات في ليبيا أثارت المخاوف من أن تكون نتائجها وتداعياتها سلبية:
- أن تتحول ليبيا إلى مكان لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
- أن يؤدي التدخل إلى تصعيد التوتر مع السعودية والإمارات ومصر، خاصة أن علاقات تركيا مع هذه الدول تدهورت في السنوات الأخيرة.
في المقابل، تُحاول أنقرة الحفاظ على علاقتها بموسكو العائدة بقوة إلى المسرح الدولي. ومؤخراً التقى الرئيس التركي أردوغان والرئيس الروسي بوتين في اسطنبول، وقد خصصت الزيارة لتدشين خط الأنابيب الذي سينقل الغاز الروسي الى تركيا وأوروبا عبر البحر الأسود من دون المرور بأوكرانيا.
فتركيا ومنذ بدء الصراع في سوريا تحرص على انتهاج ديبلوماسية متوازنة بين الولايات المتحدة حليفتها وروسيا، لكن، الخطر الأساسي في ليبيا يكمن في حصول صدام مع موسكو، فحتى إذا كانت روسيا تنفي وجود مرتزقة من مواطنيها يقاتلون إلى جانب قوات حفتر، فإنّ مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة وتركيا يشيران إلى وجود هؤلاء. وقد تؤدي الاشتباكات بين قوات تركية وأخرى تابعة لروسيا مفترَضَة إلى عودة التوتر بين تركيا وروسيا اللتين تجاوزتا في 2015 أزمة دبلوماسية خطيرة للتقارب والتعاون في سوريا. بالإضافة إلى أن التدخل التركي العسكري في ليبيا سيساهم في زيادة التوتر بين أنقرة وعواصم أوروبية مثل باريس وبرلين ولندن.
وهنا، تبرز أسئلة عدة، هل ستبقى أوروبا مكتوفة الأيدي أمام تركيا؟ ثم ما هو الدور الروسي في ليبيا وهي التي تسعى لاستعادة نفوذها هناك؟ وهل ستقدر على قطع الطريق أمام أردوغان بطريقة مشابهة لما فعلته في سوريا؟ ولماذا يتسم موقف أميركا بالميوعة السياسية وسط إقدام تركي لافت ومحاولة روسية للإمساك بخيوط اللعبة، بالإستفادة من ضآلة الحضور الأميركي؟ ألا تعد خطط أردوغان نوعا من تهديد السلم العالمي، الأمر الذي يستوجب التنادي إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بالاتحاد من أجل السلم قبل أن يستفحل الضرر ويتحول المشهد إلى حرب إقليمية؟ أسئلة كثيرة، أجوبتها في التطورات التي ستشهدها الأيام القادمة على الساحة الليبية.