kayhan.ir

رمز الخبر: 103216
تأريخ النشر : 2019October29 - 19:11

روسيا العائدة من البوابة السورية: قوة إقليمية ودولية


سركيس أبوزيد

الانسحاب الأميركي من سوريا لم يكن جزئيًا ومقتصرًا على نقاط حدودية إفساحًا في المجال أمام الدخول التركي ومن دون الاصطدام معه، وإنما كان انسحابًا شاملًا من كل النقاط والقواعد العسكرية المنتشرة في شمال شرقي سوريا، وبما يعني أن الوجود الأميركي بات مركزا في جنوب سوريا، وخصوصًا في قاعدة التنف على مقربة من الحدود السورية العراقية. وهذا الانسحاب العسكري يعني انسحابًا سياسيًا من سوريا وتسليمها مع الحل السياسي للأزمة الى روسيا التي تدير لعبة المصالح الإقليمية بين تركيا وإيران و"إسرائيل"، وتبحث عن طريقة لإيجاد مقعد للاعب العربي على الطاولة بعد عودة سوريا الى الجامعة العربية التي لم تعد إلا مسألة وقت.

الانسحاب الذي قرره ترامب، وأيده فيه البنتاغون الذي يقف على رأسه وزير حرب جديد موالٍ تماما للرئيس، لم يمر في واشنطن مرور الكرام، وإنما قوبل بعاصفة انتقادات وبقرار من الكونغرس يدين خطوة ترامب، حتى من نواب حزبه الجمهوري. وهذا القرار يدين خطوة ترامب باعتبار أنها تمثل "خيانة لحلفائنا وتشجيعا لخصومنا وتقويضا لأمننا" على حد تعبير زعيم الغالبية الديمقراطية في الكونغرس. ولكن قرار الكونغرس بإدانة قرار الانسحاب، بات شكليا ومعنويا بعدما قطعت عملية الانسحاب وتفكيك المواقع وتدميرها شوطا كبيرا، وصار الانسحاب الشامل أمرا واقعا.

وفيما يخص تركيا، فإن أردوغان ليس "طليق اليدين" في عمليته العسكرية في سوريا، وإنما هو مقيّد بتعهدات أعطاها الى ترامب مثل عدم اقتحام مدينة كوباني (عين العرب) الكردية، ومقيّد بالخطوط التي رسمتها روسيا للعملية العسكرية وأعطت الضوء الأخضر على أساسها، وهذه الخطوط هي نتاج تفاهمات روسية – أميركية، وروسية - تركية، وتفاهمات روسية - سورية بدا أنها الأهم. فإذا كانت موسكو هي المستفيدة الأولى من الانسحاب الأميركي، فإن دمشق هي المستفيدة الأولى من الهجوم التركي.

في المقابل، رعت روسيا تفاهمات بين دمشق والأكراد، أدت الى توسيع مساحة انتشار الجيش السوري في المناطق الحدودية ودخوله مناطق للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، وخصوصا مدينتي منبج وعين العرب في ريف حلب الشمالي على الحدود مع تركيا. وهذه خطوة عسكرية مهمة تسمح له بمتابعة الانتشار على شريط حدودي طويل يمتد من عين العرب (كوباني) الى المالكية في أقصى الشمال الشرقي. كما تعني إنهاء رمزية نهر الفرات كخط فاصل بين مناطق سيطرة الجيش السوري والوحدات الكردية. هذا الاتفاق الميداني بين دمشق والأكراد وبموجبه دخل الجيش السوري الى الحسكة والقامشلي، من المفترض أنه يمهد الطريق أمام اتفاق سياسي يعطي الأكراد وضعا مميّزا ويضمن حقوقهم، ولكنه بالتأكيد لن يكون وضعا في شمال سوريا مشابها ومماثلا للوضع الكردي القائم في شمال العراق.

ومؤخراً، عُقدت قمة روسية - تركية في سوتشي، تركزت المحادثات فيها بين بوتين وأردوغان على ثلاثة ملفات رئيسية تشمل:

- تعزيز التنسيق الأمني العسكري لمنع فرار آلاف المعتقلين من تنظيم "داعش" في المنطقة الشمالية.

- آلية دفع حوار سياسي مباشر بين أنقرة ودمشق.

- تسريع إنهاء العملية العسكرية التركية بهدف عدم التأثير على إطلاق عمل اللجنة الدستورية السورية.

بدا واضحا أن هناك رغبة روسية في تسريع إنهاء العمليات العسكرية وعدم توسيع رقعتها، بالتوازي مع تنشيط التحرك لشغل الفراغ الذي أحدثه الانسحاب الأميركي من مناطق الشمال، بشكل يدعم العملية السياسية لاحقا، وأنها ترى في "اتفاق أضنة" الموقّع بين دمشق وأنقرة في عام 1998 أساسا قانونيا صالحا للتفاوض حول الترتيبات في المنطقة الحدودية، هذه الاتفاقية التي قضت بإخراج عبد الله أوجلان من سوريا والتعاون لملاحقة حزب "العمال الكردستاني"، واليوم مع "اتفاق سوتشي" يكون الأكراد الحلقة الأضعف وكبش المحرقة، فشهر تشرين الأول سيدخل في التاريخ الكردي الحديث على أنه شهر التخلي عن الأكراد والإطاحة بتطلعاتهم وطموحاتهم.

فمصلحة روسيا تكمن في التوصل إلى تسوية للأزمة السورية تقوم على أسس راسخة، وذلك ببناء هيكل للسلطة يرتكز على قاعدة واسعة تمثل مصالح الطيف العريض للقوى السياسية، بما فيها مصالح الأكثرية السنيّة، كذلك، فإن من مصلحة روسيا أن تستعيد سوريا علاقاتها ليس فقط مع محيطها، بل ومع العالم الخارجي ككل، وأن تستند التسوية إلى توافق دولي يعترف بشرعية النظام السوري.

وبعد مرور أربعة أعوام على الوجود الروسي في سوريا، نجد أن كل الأهداف التي وضعتها موسكو قد تحققت تقريبا، وقد بذلت روسيا كدولة ضامنة في إطار "مسار آستانة" كل جهدها من أجل الوصول إلى هذه النتيجة من خلال الاتصالات النشطة مع الحكومة السورية وأطراف المعارضة، ما أعاد الحرارة إلى العملية السياسية والمتابعة الدولية لها، لأنها ستشكل بداية مسار سياسي للخروج من الأزمة نحو الحل.

أما على المستوى الإقليمي، فقد ساهم الوجود العسكري في سوريا بتعزيز مسار الانفتاح الإقليمي على موسكو، باعتبار أنه لا بديل عن التفاهم مع موسكو على الترتيبات اللاحقة في سوريا والمنطقة، ما يعزز تدخلها في عدد من الأزمات الإقليمية بفضل التجربة السورية. ومع هذا الانفتاح الإقليمي، تبدو موسكو واثقة من ترسيخ المبدأ الأساسي الذي عملت لتكريسه، وفقا لمقولة "لا تسوية لأي مشكلة إقليمية أو دولية من دون دور روسي". ومع توسعة قاعدتي "حميميم" و"طرطوس" والاتفاقات المبرمة للبقاء العسكري 49 سنة، حققت روسيا حضورا قويا في شرق المتوسط.

باختصار، روسيا التي خرجت من الشرق الأوسط بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، عادت إلى هذه المنطقة المهمة استراتيجيا بالنسبة إليها، والتي يرتبط أمنها باستقرار الشرق الأوسط وأمنه. وبرزت كمركز قوة قادرة على مواجهة الهيمنة الأميركية في العالم ككل. فهي حققت جميع الأهداف العسكرية في سوريا، وهي تؤكد أنها عادت إلى سوريا لتبقى لزمن طويل، والدليل، توسيع قاعدتي "حميميم" و"طرطوس" الضروريتين لتنفيذ مهمات الطيران والأسطول الحربي في البحر المتوسط وإفريقيا وأميركا اللاتينية. وهاتان القاعدتان تشكلان أداة مهمة لروسيا التي تطمح لامتلاك كلمة جدية في السياسة الدولية. وبعد التعاطي مع روسيا كقوة إقليمية كبرى، عادت لتكون شريكة في معالجة الأزمات الدولية، ولم يعد أي طرف قادرا على الادعاء أنه يستطيع دفع تسوية ما من دونها.