الصراع على الطاقة في شرقي المتوسط
سركيس أبوزيد
تأتي أهمية شرق البحر المتوسط أنه على تقاطع طرق بين ثلاث قارات: أوروبا آسيا وأفريقيا. وبسبب أهميته الاستراتيجية كان دوما مسرحا للنزاعات الإقليمية. ومع إزدياد أنشطة الحفر والتنقيب واكتشاف حقول الغاز البحرية الواعدة التي جذبت إهتمام الحكومات والشركات الكبرى، تحوّل شرقي المتوسط الى ساحة صراع للسيطرة على منابع ومصادر الطاقة فيه بين ثلاث قوى رئيسية هي تركيا و"إسرائيل" ومصر. أما نقطة الإرتكاز فهي قبرص التي تقع في قلب الجغرافيا السياسية للغاز في المنطقة.
فما زالت تركيا تمضي قدما في خطوات التصعيد في شرق البحر المتوسط، رغم التحذيرات الدولية والإقليمية لها من التنقيب عن الغاز والنفط قبالة سواحل قبرص، ما قد يرفع من حدة التوتر بين تركيا وقبرص والاتحاد الأوروبي ودول إقليمية وأخرى لها شركات تعمل في المنطقة.
و"تحرشات" تركيا بمكامن الطاقة ليست جديدة، وإن كانت هذه المرة أكثر إثارة للقلق الدولي والإقليمي. فأنقرة تتحرك مدفوعة بذريعة أساسية، تتمثل في ما تقول أنه موافقة من قبرص الشمالية على التنقيب قبالة سواحلها. لكن إلى جانب ذلك، فإن بُعدا مهما يتمثل بأقصى نقاط الضعف لدى أنقرة والمتعلقة بتوافر الطاقة، إذ تستورد نحو 60% من الغاز المستهلك لديها من روسيا، ومن المرجح أن تكون الإكتشافات الهائلة في المتوسط، والتي بدأت في الظهور تباعا منذ عام 2009 ، مطمعا كبيرا لها.
ذريعة أخرى، تلجأ لها أنقرة في خضم الأزمة، وهي أنها لا تعترف بقانونية إتفاقية وقعتها مصر وقبرص عام 2013 لتقسيم مكامن التنقيب عن الغاز في المتوسط. لكن القاهرة شددت حينذاك على أن الإتفاقية لا يمكن لأي طرف أن ينازع في قانونيتها، وأنها تتسق وقواعد القانون الدولي. وتحاول تركيا قطع الطريق على مصر كي لا تكون مركزا إقليميا للغاز، خصوصا بعدما كشفت شركات طاقة أميركية وعالمية كبرى عن مشاريع للعمل في مصر التي تستعد لتكون مركزا هاما للطاقة في المنطقة، نظرا لموقعها الاستراتيجي في الإمساك بمفاتيح مستقبل غاز المتوسط، بما يؤهلها للعب دور هام في تدفق تجارة الطاقة العالمية.
وفي ظل رهان الولايات المتحدة على أهمية مستقبل هذا القطاع وعلى الخارطة السياسية الجديدة للتحالفات في المنطقة، فإن دخول مصر على خط تسويق الغاز، يشكل عاملا داعما في مواجهة العلاقات المتوترة مع تركيا، التي تم استبعادها عمليا من منتدى الغاز، ويقلل من اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الطبيعي الروسي. وتعمل واشنطن على إخراج أوروبا من الاعتماد على موارد الطاقة الروسية وبناء سوق طاقة متكامل لتحفيز التعاون الإقليمي وتعزيز أمن الطاقة. وتوضح الخريطة إكتشافات النفط والغاز قبالة سواحل قبرص ومصر و"إسرائيل" ولبنان على مدار العقد الماضي، وترسم بينها مسارات محتملة للتصدير يمكن أن تسهل في النهاية بيع الغاز الإقليمي إلى الاتحاد الأوروبي.
وفيما ترفض إدارة ترامب التأكيد ما إذا كان التعاون الإقليمي في مجال الطاقة سمة من سمات خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، شكل منتدى شرق البحر الأبيض المتوسط للغاز، ومقره القاهرة ، ويضم إضافة الى مصر، "إسرائيل" واليونان وقبرص والأردن وفلسطين وإيطاليا، المجال الوحيد الذي جمع "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية حول اتفاقات التعاون المشترك في السنوات الأخيرة مع اكتشافات الغاز على شواطئ غزة. ومع جهود إدارة ترامب لتشكيل "تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط" (MESA) لمواجهة الإيرانيين، يلجأ مسؤولو الأمن القومي إلى منتدى الغاز كأداة استراتيجية أساسية لتعزيز المصالح الأميركية في المنطقة.
أما على الجانب اللبناني، فقد زار مؤخراً في 12 أيلول/ سبتمبر الماضي الوسيط الأميركي الجديد دايفيد شينكر المكلف متابعة المفاوضات المتعلقة بترسيم الحدود البرية والبحرية بين لبنان و"إسرائيل". خصوصا أن أميركا تبدي إهتماما جديا وكبيرا في هذا الملف ويهمها الإنتهاء من عملية ترسيم الحدود. فمسألة ترسيم الحدود بين لبنان و"إسرائيل" التي توقفت بسبب انتخابات إسرائيل والمرحلة الإنتقالية فيها، سوف تُستأنف بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة والإنطلاقة الفعلية للمهمة المسندة الى مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر. من جهة لبنان، القرار السياسي مُتخذ بشأن هذه المفاوضات التي ستكون تقنية وإدارية من دون الجنوح الى مفاوضات سياسية واتفاق شامل.
عمليا، سيبدأ الحفر الإستكشافي قبالة منطقة الصفرا منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر المقبل، على أن يُستتبع بأعمال مماثلة في البلوك رقم 9 الجنوبي منتصف العام المقبل. وفي هذه الأثناء بدأت شركة "توتال" تحضير عقود الخدمات البترولية بعدما تم توقيع عقد مع شركة حفر أميركية تمهيدا لبدء أعمال الحفر الإستكشافية. هكذا، تدل روزنامة "النشاط البترولي" على أن أعمال الإستخراج قد تبدأ في العام 2022 أو 2023 إذا تأكدت الشركة العاملة من وجود كميات كافية تغطي تكاليف الحفر وتؤمّن الأرباح المرجوة، وإذا تم إعتماد الخط السريع للإستخراج. بالنتيجة، سيترك الإعلان الرسمي لبدء حفر أول بئر إستكشافي، المرتقب قريبا جدا، أثرا طيبا لدى المجتمع الدولي كونه قد يدخل لبنان رسميا النادي النفطي، ويشجّع الإستثمارات للعودة إلى لبنان من باب الخدمات التي يحتاجها هذا القطاع الحيوي. فقد بات ملف النفط والغاز، كما يقول الخبراء، الممر الاقتصادي والنقدي الذي يُبنى عليه مستقبل لبنان وثروة أجياله. وعلى لبنان أن يثبت حقه في الإستفادة من مصادر طاقته وإنقاذ اقتصاده ومواطنيه.
وبحسب محللين في بيروت، ليس فقط أن شينكر حل مكان ديفيد ساترفيلد، بل إظهار واشنطن اهتمامها الفائق بالغاز الذي جرى إكتشافه في البحر ما بين اليونان وقبرص ولبنان و"اسرائيل". ولا شك في أن روسيا ليست مرتاحة الى الإندفاعة الأميركية بُغية السيطرة على الغاز البحري، والأهم أن الصراع لا يزال على أشدّه بين واشنطن وطهران. ويتردد أن الهجوم الذي طال منشآت "أرامكو"، حمل في طيّاته رسالة إنذار لـ"إسرائيل". فالعملية التي حصلت، إنتزعت إعجاب المحللين العسكريين الأميركيين، كما الإسرائيليين:
ـ أولا، لناحية المسار الطويل.
ـ ثانيا، لقدرة إختراق الدفاعات السعودية المتطورة بما في ذلك نظام "باتريوت".
ـ ثالثا، لدقة انتقاء الأهداف وتدميرها، والأهم أن واشنطن كما تل أبيب، قرأت في ذلك رسالة إيرانية حول قدرتها الصاروخية والاستخباراتية، وأن ما حصل مع "أرامكو" قابل للحصول مرة ثانية.
باختصار، رهان إدارة ترامب على محاولة ربط الأطراف المتنافسة من خلال شبكة طاقة، واستخدام هذا التحالف العملي لإثراء المنطقة وتنويع الواردات الأوروبية وإضعاف موسكو، تشكل أولى الإشارات عن العقيدة الاستراتيجية التي لم تكشف عنها بعد إدارة ترامب تجاه المنطقة.