kayhan.ir

رمز الخبر: 98436
تأريخ النشر : 2019July29 - 20:46

ايران ـ أميركا والمواجهة في مياه الخليج الفارسي


سركيس أبوزيد

لا حرب ولا مفاوضات، هذا هو العنوان العريض للمرحلة. فلو كانت واشنطن تريد الحرب لكانت ردت على إسقاط الطائرة الأميركية فوق مضيق هرمز. ولو كانت إيران تريد المفاوضات لكانت تعاطت بمرونة وانفتاح مع الوساطة اليابانية. ولكن، هذا الإعتقاد قابل للتغيّر تبعا للتطورات التي تظهر أن هناك دينامية ذاتية في مسار الأحداث والتطورات، وأن الطرفين لا يملكان السيطرة التامة على "مجريات اللعبة": فإيران التي تنتهج استراتيجية الإنتظار والصبر الاستراتيجي حتى الإنتخابات الأميركية، قد تنتقل الى خيار المفاوضات أو التجاوب مع الوساطات الدولية للتهدئة، وبالمقابل فإن الرئيس ترامب الذي ينتهج استراتيجية العقوبات والحرب الاقتصادية، ربما يصل الى قناعة بأن الأمر يتطلب مزيجا من ضغوط اقتصادية و سياسية وعسكرية.

فالرئيس ترامب بعد سقوط الطائرة الأميركية وجد نفسه "في ورطة" لأنه لا يستطيع السكوت وإعطاء مؤشر ضعف، ولا يريد الحرب العسكرية، وما زاد في صعوبة موقفه الإنقسام داخل المؤسسة الأميركية بين مؤيدين لرد فوري على إيران، يتمنى بعضهم أن يفضي إلى مواجهة عسكرية، ومعارضين له بسبب إحتمال التدحرج نحو مثل هذه المواجهة. ولكن المؤسسة العسكرية ما زالت تعارض حربا كبرى مع إيران، لمعرفتها أكلافها المرتفعة أولا، ولتناقضها مع ما تعتقده أولويات حيوية للولايات المتحدة، وهي التركيز على التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا، وتعبئة القدرات والموارد المتوفرة لهذه الغاية أساسا. فالإنطباع السائد حاليا في واشنطن أنه إذا التزم الطرفان "الهدوء والحكمة" لن يحدث شيء ويمكنهما إيجاد طريقة تفاوض للخروج من هذه الورطة.

سجل مؤخرا تصعيد أميركي ـ إيراني جديد في الخليج الفارسي، وتهديدات متبادلة في شأن مضيق هرمز الذي يمر عبره ثلث تجارة النفط البحرية، إيران هددت بأنها ستقفل مضيق هرمز إذا مُنعت من إستخدامه.

ويعتبر مضيق هرمز ممرا ملاحيا حيويا يربط منتجي النفط في الشرق الأوسط بأسواق آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية وما وراءها، ويقع منذ عقود في قلب التوتر الإقليمي.

وتميّزت ردود الفعل الأميركية منذ بداية الأزمة بالتناقض. فإعلان إرسال حاملة الطائرات صاحبته تحذيرات وتهديدات من مستشار الأمن القومي جون بولتون بأن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة الصارمة إذا هددت طهران مصالح أميركا أو مصالح حلفائها. في المقابل، عكس المسؤولون والعسكريون في وزارة الدفاع مواقف أكثر إعتدالا. ومع أن الرئيس ترامب واصل إنتقاداته لإيران، إلا أنه تفادى تهديدها عسكريا أو مباشرة.

ويقول مسؤولون أميركيون إن اللجوء الى القوة العسكرية يمكن أن يكون ضروريا، لذلك فإن التوجه الأمثل أمام البيت الأبيض الآن هو:

ـ التركيز في استخدام القوة العسكرية على حماية الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز من طريق تحالف واسع يشمل دول حلف الأطلسي ودول الخليج الفارسي ودول آسيوية تعتمد على نفط الخليج الفارسي.

ـ السعي الى تدويل النزاع مع إيران. ويقضي ذلك بتحويل التوتر مع إيران من المسار العسكري الى المسار الدبلوماسي، وتجاوز مرحلة المواجهة المباشرة "أميركا ضد إيران" الى سيناريو "العالم ضد إيران".

ولكن واشنطن في عملية تدويل قضية إيران تواجه تحفظات دولية أولها من روسيا، وفي عملية حماية مضيق هرمز تواجه التحفظ الأوروبي من المشاركة في أي مهمة عسكرية في الخليج الفارسي.

وعقب إجتماع فيينا مؤخراً بين ممثلي الدول الأطراف في الإتفاق النووي، أجمعت التصريحات الإيرانية على أن ما قدمه الأوروبيون ليس كافيا لجعل إيران تتراجع عن خطواتها وتمدد مهلة الـ 60 يوما، طالما أن لا ضمانات بأن يشمل التبادل التجاري النفط، أو بفتح خط إئتمان مالي يجعل تجارة طهران في أوروبا قابلة للحياة. كما اتهمت طهران الأوروبيين بعدم تلبية مطالبها عقب انسحاب واشنطن من الإتفاق النووي، واتباع سلوك متذبذب، واسترضاء الولايات المتحدة.

على هذا الأساس، غيّرت إيران مع بداية أيار/ مايو الماضي إستراتيجيتها لجس نبض الأوروبيين إن كانوا شركاء أو منافسين، وأعلنت أنها ستعلّق قسما من تعهداتها في الإتفاق النووي في حال لم تتوصل الدول الأخرى الموقعة على الإتفاق إلى حل خلال 60 يوما لتخفيف آثار العقوبات الأميركية على القطاعين النفطي والمصرفي الإيرانيين.

في المقابل، رفض الأوروبيون هذه المهلة وطالبوا بتمديدها، وأكدوا أن خروج إيران من الاتفاق يعني خسارتها للدعم الأوروبي ولتمسك الاتحاد به، والتحاق أوروبا بالركب الأميركي في العودة إلى فرض عقوبات اقتصادية وتجارية ومالية على طهران، كما كانت الحال قبل التوقيع عليه. فلم يعد الإتفاق النووي وكيفية إنقاذه أولوية عند الأوروبيين، فقد تقدم عليه "أمن الخليج الفارسي" وكيفية تأمين سلامة الملاحة البحرية وحماية ناقلات النفط، كما لم تعد العقوبات الأميركية وكيفية مواجهتها هي الشغل الشاغل للإيرانيين، فقد تقدمت عليها الخطط والإجراءات الأميركية والأوروبية في مياه الخليج الفارسي وكيفية احتوائها وإفشالها.

ثمة إشتباك دبلوماسي وصراع دولي بشأن "أمن الخليج" وسباق محموم بين مشاريع ومبادرات أبرزها حاليا:

ـ المشروع البريطاني لتشكيل قوة أوروبية لحماية أمن الملاحة ومراقبة الأمن البحري في الخليج الفارسي.

ـ الخطة الأميركية لإقامة تحالف دولي بهدف زيادة تبادل المعلومات الإستخباراتية وتعزيز نظام المراقبة وردع مزيد من الهجمات ضد الناقلات في مضيق هرمز ومواجهة أي ظروف طارئة.

ـ المبادرة الروسية التي كشف عنها نائب وزير الخارجية ومسؤول الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف في إجتماع مغلق نظمته وزارة الخارجية الروسية في موسكو وجمع سفراء ودبلوماسيين عرب وأوروبيين، ومن مجموعة "بريكس"، وهذه المبادرة هي عبارة عن أفكار تتناول ضمان الأمن في منطقة الخليج الفارسي ونزع التوتر القائم حاليا، ووضع أسس لبلورة نظام إقليمي مستقر. وتتضمن مجموعة إجراءات من شأنها تأمين الملاحة في الخليج الفارسي وبناء الثقة بين دول المنطقة، وبناء هيكل نظام أمني خليجي، والحفاظ على الإستقرار الإقليمي.

من جهتها تحذر طهران من أن مقترح بريطانيا تشكيل قوة أوروبية في مضيق هرمز قد يجر ما ليس في الحسبان، مبدية إستعداد بلادها لتشكيل تحالف سياسي وأمني مع جيرانها لضمان الإستقرار والأمن في المنطقة.

الأزمة الأميركية ـ الإيرانية ما زالت في مربع "لا حرب ولا مفاوضات"، ولكنها ابتعدت مؤخراًعن دائرة الخطر ولاحت فيها للمرة الأولى بوادر إنفراج وانكفاء التصعيد. حيث قال الرئيس الإيراني حسن روحاني بعد زيارة الوسيط الفرنسي (الموفد الرئاسي إيمانويل بون) "إذا رفعوا العقوبات وأنهوا الضغوط الاقتصادية المفروضة وعادوا الى الإتفاق، فنحن مستعدون لإجراء محادثات مع أميركا اليوم والآن وفي أي مكان". في المقابل أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل مفاجئ أن هناك تقدما كبيرا مع طهران، مؤكدا أن بلاده لا تسعى إطلاقا الى تغيير النظام في طهران، ومبديا رغبة واشنطن في تخلي إيران عن فكرة إمتلاك السلاح النووي.

في النهاية، المفاوض الإيراني البارع بشهادة الأميركيين أنفسهم، يراهن على ضعف ترامب في سنته الانتخابية. فهو غير قادر حتى على الإقدام على قرار مجنون بالذهاب الى الحرب، وهو الذي بنى خطابه السياسي على رفض إنزلاق بلاده في حروب الشرق الأوسط. فالإعتقاد السائد في واشنطن أنه من السابق لأوانه اللجوء الى "الحل العسكري المحض"، فلا تزال لدى الولايات المتحدة أوراق تلعب بها وينبغي الضغط على "المكابح" قبل أن يتطور التصعيد الراهن الى حالة من الصراع تخرج عن نطاق السيطرة.