أردوغان المترنح تحت وطأة أزمته الداخلية وورطة "إس 400"
سركيس أبوزيد
استلمت تركيا مؤخراً شحنات المعدات العسكرية الخاصة بمنظومة الدفاع الجوي الروسية "إس400 "، ولم يعلن عن موعد إنتهاء تسليم هذه المعدات، إلا أن تسلم المنظومة بالكامل قد ينتهي في أيلول المقبل، مع وصول 120 صاروخًا عن طريق البحر إلى تركيا. وكانت موسكو وأنقرة وقعتا في عام 2017 الصفقة التي بلغت قيمتها نحو مليارين ونصف المليار دولار، ونصت على تزويد تركيا بأربع بطاريات للمنظومة الصاروخية الحديثة. ولم يكن الطريق نحو إبرام الصفقة سهلا في روسيا، إذ برزت سجالات حادة داخل صفوف المؤسسة العسكرية، وأثارت إنقساما في الرأي بين فريقين:
ـ رأى أولهما أن تزويد بلد عضو في حلف الأطلسي بأحدث منظومة صاروخية دفاعية يُعدّ مغامرة بسبب إحتمال كشف الحلف الغربي تقنيات سرية للسلاح الروسي، وشكك هذا الفريق بقدرة التحالف الروسي ـ التركي على الصمود، في إشارة إلى عدم ثقة جزء من المنظومة العسكرية الروسية بأن أنقرة لن تنقلب في وقت لاحق على روسيا حرصًا على علاقاتها مع واشنطن.
ـ في حين دافع الفريق الثاني عن الصفقة بقوة، ورأى فيها فرصة مهمة لتعزيز الشرخ داخل حلف شمال الأطلسي، وبين أنقرة وواشنطن، فضلا عن أنها مع عدد من المشروعات الاستراتيجية الكبرى، مثل بناء مفاعلات نووية للإستخدام السلمي في تركيا، ومد أنابيب نقل النفط الروسي إلى أوروبا، من شأنها أن تعزز علاقات وثيقة تقوم على المنفعة المتبادلة بين روسيا وتركيا.
كما رأى خبراء عسكريون روس أن تنفيذ الصفقة من شأنه أن يؤسس لمعادلات جديدة في المنطقة، لأنه يضع أساسا لأوسع تعاون عسكري استراتيجي بين روسيا ودولة عضو في حلف الأطلسي، ويعزز تطلعات روسيا لتثبيت مواقعها كحلقة وصل أساسية بين أطراف محور إقليمي تحتاج إليه بقوة في إطار توسيع سياستها وحضورها في منطقة الشرق الأوسط وحوض المتوسط.
ومع إستكمال تنفيذ العقد، ستكون تركيا البلد الأول خارج الفضاء السوفياتي السابق الذي يحصل على هذا السلاح المتطور، والثالث عالميًا الذي ينشر هذه الصواريخ على أراضيه، بعد روسيا وجارتها بيلاروسيا التي تمتلك حاليا منصتي إطلاق لصواريخ "إس 400 " تم نشرهما على الحدود الغربية في إطار تعزيز دفاعات روسيا وحليفتها الأقرب في وجه توسع حلف الأطلسي شرقا. وهذا الأمر يعكس جانبًا من دلالات الإصرار الروسي على إستكمال تنفيذ الصفقة مع تركيا.
إلا أن هذا الأمر أدى إلى نشوب الخلاف بين أنقرة وواشنطن بسبب شراء المنظومة الصاروخية الروسية، واعترضت واشنطن وحلف "الناتو" على دمج تلك المنظومة بنظامها الدفاعي، واعتبرتها تهديدا لطائرة "إف 35 " الأكثر تطورًا في ترسانتها، التي تشارك تركيا جزئيا في برنامج إنتاجها.
في المقابل استمرت ضغوط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة على إدارة ترامب لإلغاء صفقة الـ"إف 35 " مع تركيا، باعتبار أن "إسرائيل" هي الجهة الوحيدة في المنطقة التي تملك هذه الطائرات، وقد تستهدفها صواريخ الـ"إس 400 " المتطوّرة.
ورأى الخبير أستاذ العلوم السياسية الألماني توماس إيغير أن الصراع حول توريد أنظمة "إس 400" الروسية إلى تركيا قد يسفر عن إنسحابها من حلف الناتو، الأمر الذي سيكون إنتصارًا كبيرًا بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وذكر، في مقال بمجلة "فوكس أونلاين" أن الصفقة بين أنقرة وموسكو ستؤدي إلى تدهور العلاقات الصعبة بالأساس بين تركيا والولايات المتحدة، لا سيما أن واشنطن ستضطر لفرض عقوبات على تركيا بسبب شرائها هذه الأنظمة.
في غضون ذلك، كشفت تقارير أن أردوغان يكثف البحث عن مخرج من ورطة صواريخ "إس 400" الروسية، رغم تأكيده في العلن تمسكه بها. ونقلت مجلة "دير شبيغل" الألمانية عن مصادر رفيعة لم تسمها، أن أردوغان في العلن يصر على التمسك بالصفقة مع روسيا، لكنه يبحث باستماتة خلف الأبواب المغلقة عن مخرج من الورطة التي وضع بلاده فيها، مع إظهار واشنطن حسمها في القضية.
وذكرت المصادر أن أردوغان يخشى التراجع بشكل مفاجئ وغير مبرر عن الصفقة، ما ستنتج عنه أزمة حادة في العلاقات مع روسيا التي يحتاجها بشدة في ضوء تعقد الأوضاع في سوريا، لكنه يدرك أيضا أن التمسك باستكمال الصفقة يعني عزلة دولية لتركيا، ويعرض اقتصادها المترنح بالأساس إلى هزة عنيفة جدا، لأن واشنطن لن تتوانى عن فرض عقوبات اقتصادية مؤلمة على أنقرة، وتهميشها سياسيا وعسكريا داخل حلف "الناتو". ولاننسى هنا، هزيمته الداخلية في الانتخايات الأخيرة والتي مُنيّ فيها بهزيمة ثقيلة وفارق صادم حيث خسر حزب العدالة والتنمية الحاكم انتخابات الإعادة لرئاسة بلدية إسطنبول، ليفقد الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية سيطرتهما عليها للمرة الأولى منذ ربع قرن.
كذلك إنهيار سياسة صفر مشاكل مع دول جوار تركيا وسيحل مكانها عودة المشاكل والتوترات المرتبطة بالدور التركي في سوريا والعلاقة مع إيران وروسيا والتوتر مع الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما انعكس سلبا على وضع تركيا الاقتصادي والاجتماعي وأدى إلى تراجع قيمة عملتها. هذا الأمر دفع دول الخليجيين إلى العمل على مراجعة علاقتهم مع تركيا، إذ يخطط عدد من المستثمرين الخليجيين لسحب إستثماراتهم من تركيا، فيما يعتزم آخرون تغيير خطط للاستثمار كانوا يسعون لضخها في عدد من القطاعات التركية، وذلك بسبب خمسة تحديات تواجه أنقرة خلال الفترة الحالية، تجعل منها بيئة غير مناسبة للإستثمار، وتتمثل في: الإضطرابات السياسية، التباطؤ الاقتصادي، العقوبات الأميركية، ضعف تطبيق الأنظمة والإلتزام بالعقود، المشاكل التي تواجه السياح الخليجيين والتحذيرات الحكومية، وهذه التحديات تضع البلاد في خانة عدم الوضوح في ما يتعلق بالبيئة الإستثمارية، في ظل التضييق على الإستثمارات الخليجية.
ربما كان من السابق لأوانه شطب أردوغان، حتى لو أنه فقد توازنه، فهو يعرف كيف يخرج من هذه الهزيمة، ولديه شعبية كبيرة في الأناضول وسيحافظ عليها في أي انتخابات مقبلة، وهو مقتنع أنه لا يزال يسيطر على مفاصل البلاد، وأنه، حتى في إسطنبول، بإمكانه عرقلة إمام أوغلو في إدارة بلدية إسطنبول لأن غالبية أعضاء مجلس البلدية ينتمون إلى العدالة والتنمية، ولكن الساحة السياسية في تركيا تضج بالأسئلة حول مستقبل تركيا، وهل هذه بداية النهاية لهيمنة إردوغان، مع إستعداد المعارضة من اليوم للانتخابات النيابية سنة 2023.
فهذه النتيجة كانت بمثابة تصويت ليس على شعبية حزب العدالة والتنمية فحسب بل على مستقبل ومصير أردوغان السياسي وورطته في صفقة منظومة "إس ـ 400" وكيفية خروجه منها وتفادي العقوبات الأميركية على الاقتصاد التركي، وستضع علامات إستفهام حول مسار انتخابات 2023، فهذه الأزمات المتتالية شكلت تحوّلا هاما في خارطة موازين القوى السياسية ليست فقط على المستوى الشعبي وإنما السياسي ودور تركيا الإقليمي، كذلك دلت أيضاً على أن أردوغان بدأ مرحلة التراجع وفقدان التوازن، إذ باتت المقولة الأكثر رواجا في تركيا الآن، وخارجها أيضا، أن إسطنبول التي دفعت بإردوغان إلى القمة هي التي ستنزله منها.