الدبلوماسية الايرانية في مواجهة سياسة الوعد والوعيد
احمد سعيد
لا يختلف اثنان على ان الدبلوماسية الايرانية تتسم بالحنكة والحكمة في تعاملها مع الملفات الدولية . فهناك من يعترفون صدقا بهذه الحقيقة ، وهناك جهات مناوئة معروفة بعدائها وحقدها الدفين للجمهورية الاسلامية الايرانية تحاول وصفها بالخداع والتمويه ، وهو في الحقيقة اعتراف مبطن بنجاحها وجدوائيتها في افشال مخططاتهم .
لم تواجه أي دولة في العالم، المخاطر والتهديدات التي واجهتها ايران خلال الاعوام الاخيرة ، ولكنها رغم ذلك تعاملت مع هذه المخاطر والتهديدات بعقلانية وحصافة ووظفتها خدمة لمصالحها بدءا من الحظر الجائر المفروض عليها، والذي جعل عودها يشتد وتحقق الاكتفاء الذاتي في العديد من المجالات -وان كنّا لا ننكر تاثيرها على ابناء الشعب الايراني الذي يفضل الموت ولا العيش بذل وهوان- ومرورا بالتهديدات الارهابية التي سادت بلدان الجوار لفترة وتم سحقها كليا في مناطق وشبه كلي في مناطق اخرى بمساعدة من ايران ، لتزيد من اقتدار ايران الاسلام وشعبيتها في تلك المناطق التي تم تحريرها من الارهاب وفي نفس الوقت تصبح شوكة في أعين من حاولوا النيل منها عبر التخطيط لخوض حرب معها بالنيابة او توريطها وفق مخطط آخر .
اما على مستوى الملفات الخاصة بايران دون غيرها ، فالملف النووي كان ولازال يتصدر النشرات الخبرية العالمية انطلاقا من بدايته وخوض المفاوضات مع مجموعة 5+1 ومرورا بالاتفاق النووي الذي تم التوقيع عليه وانتهاء بانسحاب الادارة الامريكية الجديدة برئاسة سمسار البيت الابيض منه وما نتج عنه من تداعيات .
ايران وكما هو ديدنها ، تعاملت مع مسألة الانسحاب الامريكي واستئناف الحظر، الذي في الواقع لم يتم الغاؤه ابدا سوى على مستوى التعميمات، بدبلوماسية الصبر المتوقعة منها ، فهي اكدت التزامها بالاتفاق داعية الاطراف الاخرى الى الالتزام به، حتى تسلب الذريعة ممن يتحينون الفرص بها لتعزز مكانتها على الصعيد الدولي وتثبت احقيتها لدى الراي العام ، وفي نفس الوقت بدأت اجراءاتها لمواجهة الحظر الامريكي الجائر الذي وصفه البعض بالمشل وكان يعقد عليه املا كبيرة .
ايران وفي اطار الاتفاق النووي ومن منطلق ابداء حسن نواياها كانت قد تعهدت طوعيا بتعليق بعض نشاطاتها السلمية التي ينظر اليها نظرة ازدواجية، ففي حين أنها مسموحة لبعض اكثر الانظمة تخلفا واستبدادية في العالم، هي محرمة على ايران رغم وثوقهم بأنها لا تستخدمها سوى لاغراض انسانية. ورغم ذلك طبقت طهران التزامها بشهادة تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، في حين ان الطرف الاخر لم يلتزم بأي من تعهداته ولم يقدم سوى الوعود . الى هنا كل شيء كان يمضي في المسار الذي لايشكل ضغطا سوى على الحكومة ، وهي كانت تتعامل معه بدراية وحكمة عبر الالتفاف على الحظر، ولكن حين وصل الامر الى تهديد الشعب في حياته ومعيشته ، واكره ما يكرهه الايرانيون هو التهديد، نشط محرك الدبلوماسية ثانية مشفوعا بتعليق بعض التعهدات الطوعية ، الامر الذي ادى الى هلع اطراف الاتفاق الاخرى وتخبطها ، لتعلن اولا عن خطوات وهمية هم على وشك ان يقوموا بها ، وبعد ان اكدت طهران على لسان كبار مسؤوليها بأن هذه الخطوات لا تلبي طموحاتها، انتقلت الى مرحلة الوعد والوعيد وهو ما قلنا سابقا بأن الايرانيين لا يكرهون شيئا اكثر من ان يهددهم الاخرون . فايران وعلى مدى القرون الاخيرة لم تعتد على اي بلد آخر ولم تطمع في اراضي الاخرين ، لكنها في نفس الوقت لن تتوانى عن الدفاع عن سيادتها ووحدة اراضيها ابدا ولو قيد انملة، وغلوبال هاوك خير دليل على ذلك .
المتابع لمراكز صنع القرار في ايران يرى بانها بعيدة كل البعد عن الارتباك والتخبط ، وما ذلك الا لوثوقها بقدراتها التي تجعلها في موقع يكون لها اليد الطولى في الدفاع عن مصالحها على صعيدي الحرب الناعمة والصلبة . اخر الخطوات التي اتخذتها الحكومة الايرانية للدفاع عن مصالحها واستيفاء حقوقها ، هي الخطوة التي اعلن عنها الرئيس الايراني حسن روحاني والقاضية بالتخلي عن الالتزام بمستوى التخصيب ورفعه للقدر الذي يلبي ضرورة وحاجة البلاد واعادة نشاط مفاعل اراك، اعتبارا من السابع من يوليو، إن لم ينفذ الجانب الاخر تعهداته المنصوص عليها في الاتفاق النووي .
اذا لو اخذنا بعين الاعتبار الدبلوماسية الحكيمة التي تتخذها مراكز صنع القرار في ايران على صعيد اتخاذ المواقف والتي جرى الاعلان عنها على لسان اعلى مسؤولي تنفيذي في البلاد ، سنعلم أن طهران جادة في مواقفها ولا يؤثر فيها لا الوعد ولا الوعيد، وعلى الجانب الاخر ان يفكر بخيار اخر، فإما يلبي طموحات ايران او يتحمل تداعيات خطواتها المستقبلية .
وختاما نذكر بتصريح وزير الخارجية الايراني الذي قال: "الحرب الإقتصادية إن دلّت علي شئ فإنّما تدلّ على السياسة المفروضة وسياسة البلطجة، وهذه السياسة لن تجد طريقها إلي النجاح مع ايران على الإطلاق. قلتها شخصياً في إحدى المرات، لاتفكروا على الإطلاق بتهديد أيّ ايراني، ولا أزال أقول هذا الكلام.