kayhan.ir

رمز الخبر: 96309
تأريخ النشر : 2019June22 - 21:15

المواجهة الإيرانية - الأمريكية: لا حرب ولا مفاوضات؟


سركيس أبوزيد

ما حصل مؤخراً في مياه الخليج الفارسي مختلف تماماً عما سبقه من أحداث وتطورات. هذه المرة حصل اصطدام مباشر بين إيران والولايات المتحدة. الحرس الثوري الإيراني الذي صنّفته واشنطن "منظمة إرهابية" يُسقط طائرة أميركية مسيّرة ويعلن مسؤوليته عن الحادثة من دون تردد وتلعثم، في سياق معركة الدفاع عن حدود إيران وسمائها وأمنها.

التطورات التي حصلت في الفترة الأخيرة القليلة الماضية، ووفق مسار تصاعدي متدرج، من استهداف ناقلات في ميناء الفجيرة الإماراتي، الى ضرب خط نفطي ومطار مدني في السعودية، وصولا الى تفجير ناقلتي نفط (نروجية ويابانية) في مياه عُمان، كلا أحداث مهددة ومزعزعة لأمن الخليج، لكنها لا تنطوي على خطر نشوب مواجهة أميركية - إيرانية والانزلاق الى حرب. وأميركا، رغم توجيهها بعد حادثة ناقلتي النفط اتهاما صريحا ومباشرا الى إيران، ظلت تردد أنها لا تريد الحرب، وأوحت أن لا رغبة ولا خطط لديها بالرد عسكريا.

اليوم تغيّر الوضع وتبدّل المشهد: إيران حشرت ترامب في الزاوية الصعبة واستدرجته الى ملعبها و"خربطت" حساباته وجدول أعماله الذي حفل بعقوبات اقتصادية وضغوط دبلوماسية، وخلا من بنود وخيارات عسكرية. والآن، فإن مصداقية ترامب وهيبته على المحك، وهو الذي كان يهدد دوما بأنه إذا تعرضت مصالح أميركية لهجمات إيرانية، فإن واشنطن لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي وسترد.

وبالفعل هذا ما حصل، إذ ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وافق على توجيه ضربة عسكرية لأهداف إيرانية ردا على إسقاط طائرة مسيرة أمريكية، قبل أن يتراجع عن هذه الخطوة بشكل مفاجئ. وأشارت الصحيفة إلى أنه من غير الواضح ما إذا كان ترامب قد غير رأيه ببساطة بشأن الضربات أو أن الإدارة قد غيرت المسار بسبب اللوجستيات أو الاستراتيجية، كما أنه من غير الواضح أيضا إذا كان شن الهجمات لا يزال أمرا محتملا.

من الواضح أن مصداقية ترامب على المحك وموقفه محرج للغاية: فإذا امتنع عن الرد يكون قد أطلق مؤشر ضعف تجاه إيران، وإذا بادر الى الرد سيكون عليه التحسّب للمفاجآت والنتائج، وسيكون لزاما عليه أن يتبع "الرد المدروس والمحسوب" بدقة، لتفادي نتائج كارثية على الشرق الأوسط، كما يقول بوتين، في حال كان الرد عسكريا، وللحصول على نتائج فعّالة ومضمونة في حال كان الرد سياسيا.

على الجانب الأوروبي، فإن الأوروبيين يجدون أنفسهم محشورين بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني. وفي أي حال، قامت السلطات الفرنسية بتنبيه الجانب الإيراني إلى أن "نقض الاتفاق إيرانيا" سيعني آليا خسارة الدعم الأوروبي، والتحاق الأوروبيين بالركب الأميركي، وهم على أي حال ليسوا بعيدين كثيرا عنه باعتبار أنهم يطالبون طهران بتحجيم برنامجها الباليستي - الصاروخي وبتغيير نهج سياستها الإقليمية، وأخيرا بفتح الباب أمام إعادة التفاوض بصدد مستقبل أنشطتها النووية لما بعد عام 2025 ، وهي نقاط ثلاث تتشارك فيها مع إدارة ترامب.

أما على الجانب الإسرائيلي، فعلى الرغم من سعيها الحثيث إلى الدفع باتجاه المواجهة مهما كانت الأثمان، لا تخفي "تل أبيب" خشيتها من أن تكون على لائحة أهداف محور إيران، كواحدة من نتائج التصعيد المتنامي بين إيران والولايات المتحدة.

الكرة باتت الآن في ملعب الرئيس الأميركي دونالد ترامب. بعدما ردت طهران بأن لا مفاوضات ولا حرب وأنها لا تقبل باستمرار الحرب الاقتصادية وتضييق الخناق عليها، الأنظار تتجه الى الرد الأميركي وماذا سيفعل ترامب: هل يرد عسكريا أم يرد بتخفيف العقوبات لفتح باب المفاوضات، أم يفعل مثل الإيرانيين: لا حرب ولا مفاوضات ويقبل بقواعد اللعبة التي رسمتها إيران، وبأن استمرار العقوبات يوازيه استمرار العمليات؟!

الخبير الاستراتيجي كينيث بولاك، الباحث في مؤسسة "أميركان أنتربرايز" والمؤلف لعدد من الكتب والدراسات عن إيران والعراق، يزعم أن إيران مسؤولة عن الهجمات، وأن نشاطات النظام الإيراني مدروسة بدقة وهي تستهدف حلفاء واشنطن، ومبنية على الافتراض أن الرئيس ترامب لن يدخل في حرب مع إيران للدفاع عن مصالح حلفائه مثل السعودية ودولة الإمارات. من جهة أخرى، فإن تصريحات مستشار الأمن القومي جون بولتون تؤكد العكس.

في الخليج، يعتبر محللون وخبراء أن خيارت السعودية ودول الخليج محدودة : شن حرب شاملة على إيران، أو الهجوم على أهداف منتقاة، مثل مرافق إيرانية مهمة، أو رفع مستوى الحماية ضد أي هجمات جديدة، أو بناء قوة دولية بحرية في الخليج .

بقاء الوضع في دائرة الخطر يبقي الترقب سيد الموقف ومعه حال الغموض وعدم اليقين إزاء الأزمة وكيف ستتطور في الأشهر القليلة المقبلة، وقبل دخول الولايات المتحدة في فلك انتخابات الرئاسة والوقوع تحت تأثيرها.

في النهاية، منطقة الخليج والشرق عامة، تقف عند مفترق طرق حساس وعلى أبواب مرحلة خطيرة في غموضها وتقلباتها: من جهة، جاءت التطورات مؤخراً لتقربها من خطر الحرب التي باتت عناصرها متوافرة لكن ينقصها القرار السياسي والإرادة السياسية بالحرب، ولكن، يبقى أن خطر الانزلاق الى الحرب هو خطر موجود مع أي خطأ غير محسوب أو غير مقصود يمكن أن يحصل. من جهة ثانية، يمكن لهذه التطورات أن تقرّب أيضا وأن تسرّع وتيرة الذهاب الى المفاوضات.

في ظل المواجهة الأميركية - الإيرانية المنطقة متأرجحة بين "حرب كبرى" أو "مفاوضات كبرى"، بين حرب مستبعدة ومفاوضات مؤجلة.