الربيع السوداني إلى أين؟
سركيس أبوزيد
الإحتجاجات الدامية التي اندلعت في أنحاء السودان منذ 19 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، هي أقوى من أي تظاهرات أخرى شهدها السودان في الأعوام الأخيرة وشكلت أكبر تهديد واجه الرئيس عمر البشير الذي حكم البلاد بقبضة من حديد منذ توليه السلطة عام1989. فقد بدأت الإحتجاجات منددة بتدهور الأوضاع الاقتصادية، لكن سرعان ما تحولت إلى إحتجاجات ضد حكم البشير. فالأزمة عميقة ومزمنة وتحمل تراكمات ثلاثين عاما من الحروب الداخلية والإخفاقات الاقتصادية والسياسية .
وبعد إسدال الستارة على نظام عمر البشير، دخل السودان في مرحلة انتقالية لن تكون سهلة، في ظل ما يحفل به الشارع السوداني من مشاكل ومشارب سياسية مختلفة. وقد لاحت مؤشرات التغيير مع بدء المفاوضات بين "المجلس العسكري الإنتقالي" وتحالف قوى "الحرية والتغيير" للتوصل إلى إتفاق على تكوين صلاحيات مجلس سيادي يقود البلاد في الفترة الإنتقالية. ومنذ لحظة إمساكه بسلطة القرار، كان المجلس العسكري يبدي إستعداده للإنفتاح على مطالب الحركة الشعبية التي لاقت هذا الموقف بإيجابية بأن أبدت إستعدادا للحوار والنقاش معه للإتفاق على مخرجات سياسية لحل الأزمة ووضع السودان على سكة التغيير. لكن هذه المفاوضات ما لبثت ان واجهت صعوبات، وبات الوضع يتأرجح بين اتجاهين:
ـ الأول: التفاوض والتعايش بين المجلس العسكري والمجتمع المدني، وهذا التفاوض تعترضه عقبات أبرزها:
1ـ إدراك الحركة الشعبية أن ما حصل ليس تغييرا بل هو إلتفاف على مطالبها، وأبرزها تسليم السلطة فورا لحكومة مدنية مدتها أربع سنوات، وبصلاحيات تنفيذية كاملة، مع إستمرار الغموض والبطء في قرارات المجلس العسكري، والمماطلة في ترتيبات نقل السلطة لحكومة مدنية.
2ـ الخلاف حول نسب التمثيل والرئاسة، فبينما يقترح "المجلس العسكري" أن يتكوّن المجلس السيادي من 10 أعضاء، موزعين بين 7 عسكريين و3 مدنيين، تقترح قوى "الحرية والتغيير" أن يتكوّن من 15 عضوا، بينهم 7 عسكريين و8 مدنيين، في محاولة من كل طرف للإستحواذ على قرار المجلس الذي تعود إليه صلاحيات مهمة.
3ـ التحديات التي تواجه المجلس العسكري الإنتقالي، خصوصا في مسألة تصفية الأجهزة الأمنية التابعة لحزب "المؤتمر الوطني" وجميع مؤسساته الأمنية والإعلامية، لأن هذه التشكيلات تدخل ضمن إطار ما اصطلح على تسميته "الدولة العميقة"، فيما تعتبر "قوى التغيير" أن ذلك شرط من شروط إثبات المجلس العسكري حسن النية.
4ـ العلاقات الخارجية، وموقع البلاد في الساحة الإقليمية، وهي من النقاط الخلافية بين المجلس العسكري الإنتقالي وقوى المعارضة. فالمجلس العسكري على علاقة بمحور السعودية والإمارات الذي بارك حكم المجلس العسكري، وأعلن عن إستمرار إرسال جنود سودانيين للمشاركة في حرب اليمن منذ عام 2015. ما أثار ريبة المحتجين الباحثين عن نظام جديد ديمقراطي لا مجال للوصاية عليه من الخارج.
قوى التغيير قدمت رؤيتها للمرحلة الإنتقالية بوثيقة دستورية أعلنت فيها أنها مع المرحلة الإنتقالية لإعادة هيكلة الوضع الدستوري والسياسي بما يمكن من إعادة الديمقراطية للحياة السياسية، على قاعدة تداول السلطة وانتهاء تسلط المنظومة الأمنية والعسكرية على البلاد، وأن الجيش هو مؤسسة وطنية ودورها يجب أن يكون في حماية الأمن الوطني والسلم الأهلي ولا شأن له بإدارة الحياة السياسية، وأن من يتولى الإدارة السياسية في المرحلة الإنتقالية حكومة مدنية ولا ضير أن يشارك فيها عسكريون.
المجلس العسكري لم يرفض صراحة هذه الوثيقة ولكنها لم تجد قبولا منه، بل بقي يطلق المواقف الإيجابية تجاه الحراك ومطالبه، وراح يراوغ ويعمل على الإلتفاف على المطالب الأساسية بإجراءات شكلية، مدعوما بتأييد عربي ودولي لخطواته.
ـ الثاني: إحتمال التصعيد والدخول في مسار مواجهة بين "المجلس العسكري" وقوى "الحرية والتغيير"، في ضوء العثرات والأفخاخ التي تعترض طريق الحوار، واستنادا الى أن قوى التغيير دخلت المفاوضات من دون جهوزية ومن دون دراسة السيناريوهات المتوقعة . أما المجلس العسكري، سيكون تابعا لمحور السعودية والإمارات، يعتمد التأخير في الكثير من الإجراءات حتى يتيح الفرصة للدولة العميقة لتقويض الثورة أملا في إعادة إنتاج نظامها، خصوصا أن كل مفاصل العمل في الدولة وفي الاقتصاد لا تزال إما في قبضة الدولة العميقة أو لديها القدرة على التأثير فيها.
وبالتالي فإن كل ذلك يمكن أن يوصل إلى تصادم بين الحراك الشعبي والمنظومة السلطوية التي يعاد تركيبها. وهذا إن حصل، ستكون نتائجه كارثية وسيعيد الأمور إلى المربع الأول، لأن ما لم يستطع البشير تحقيقه عبر إعتماد الحل الأمن في معالجة الأزمة السياسية الاقتصادية الحادة، سيحققه المجلس العسكري مستفيدا من الدعم السياسي والمادي الخارجي الذي قدم له. وهذا سيدفع الأزمة إلى أفق جديد لا يعود بالإمكان التحكم بمساراتها، وسيكون المستفيد الأول من ذلك المنظومة التي كانت آخذة بالتهاوي تحت الضغط الشعبي المتزايد.
من هنا، فإن مواجهة الإحتمالات التي تنذر بالأسوأ ولأجل حماية المكاسب السياسية التي تحققت بفضل النضالات الشعبية والتي توّ جت بالانتفاضة التي تحولت إلى ثورة شعبية، تتطلب وجود واستمرار الموقف المتماسك من قبل قوى الحرية والتغيير، مع إبقاء الضغط من خلال الشارع قائما، مما سيؤدي إلى نتائج إيجابية في عدة مجالات ويوجه رسائل إلى كل المعنيين بمسار الأزمة:
ـ الأولى: للمجلس العسكري الذي يحاول الإلتفاف على دور الحركة الوطنية وسعيه توظيف التباينات في وجهات النظر إلى نقطة قوة لمصلحته.
ـ الثانية: للقوى التي تملك حيثية سياسية وشعبية ولكنها لم تواكب الإنتفاضة بالميدان منذ لحظة انطلاقتها، بل ركبت موجتها للحصول على حصة سياسية فيما لو حصل التغيير.
ـ الثالثة: إلى من كان يعمل متظللا بنظام البشير، وبرزت لديه اتجاهات إيجابية حول التعامل مع الحراك ومطالبه، وهذا المناخ ساد لدى شرائح في حزب الإخوان، بحيث برزت لدى هذا الحزب وجهتا نظر واحدة تعتبر نفسها حامية للنظام وهي جزء من منظوماته، وأخرى كانت ترى أن المركب ذاهب إلى الغرق والقفز منه سيضمن لها سلامة البقاء حتى ولو سبحت في بحر هائج.
من الواضح أن الأيام المقبلة هي أيام عصيبة في حياة السودان، فإما أن تصل حركة التغيير إلى تحقيق أهدافها تحت عناوين المشروع الوطني الذي حملته قوى الحرية والتغيير، وإما سيتم الإنقضاض على هذا المتغير الإيجابي، ومعه سيدخل السودان نفقا مظلما.