خدعة "الربيع العربي" لتمرير "صفقة القرن"
سركيس أبوزيد
صحيح أن شرارة ما اصطلح على تسميته "الربيع العربي" إنطلقت من تونس عام 2010، ولكن أحداث وثورات هذا الربيع تركزت في دول المشرق العربي، أي سوريا حيث دارت حرب مدمرة بأبعاد إقليمية دولية، والعراق حيث نبت وانطلق تنظيم "داعش"، ويمكن إضافة اليمن حيث تدور منذ أربع سنوات مواجهة غير مباشرة سعودية - إيرانية، ومصر التي شهدت إنقلابا على الإنقلاب، إنقلاب الإخوان المسلمين على الثورة الشعبية التي أطاحت الرئيس حسني مبارك، وانقلاب الجيش مدعوما من الشعب على "حكم الإخوان".
في كل هذه الدول، الجيش هو القاسم المشترك الذي يلعب دور المنقذ ومن يقطف ثمار الحراك الشعبي، يلعب دور الوسيط بين الشعب والنظام، وما حصل في مصر تكرر بأشكال وطرق مختلفة في الجزائر والسودان وليبيا. فالكلمة الأخيرة في كل من هذه الدول هي "للجيش"، بعدما بات الخيار محصورا بين حكم الجيش أو حكم الإسلاميين، وبعدما بات الجيش هو القوة القادرة على الوقوف في وجه "المد الإسلامي المتطرف".
في السودان سقط حكم الرئيس عمر البشير الذي استمر ثلاثين عاما بانقلاب عسكري تلقفته الإنتفاضة الشعبية واتكأت عليها. والرئيس عمر البشير لم يسقط لأنه ذهب الى دمشق، العد التنازلي في وضعه بدأ منذ أن وثق علاقاته بالدوحة وعبرها استأجرت تركيا جزيرة سواكن السودانية في البحر الأحمر لتقيم عليها مشاريع إستثمارية، وقبل ذلك قرر إعادة النظر في موقفه من حرب اليمن ووقف مشاركته في التحالف السعودي العربي.
في الجزائر سقط حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ووضع الجيش يده على النظام والبلاد، والرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يسقط لأنه مريض وعاجز ولم يعد مسيطرا على القرار ومقاليد الحكم، وإنما لأن البديل الجاهز لتسلم الحكم هم الإسلاميون الذين خاضوا مع الجيش مواجهات مريرة في التسعينات أدت الى سقوط نحو 200 ألف قتيل، ولم يكن أمام الجيش إلا أخذ المبادرة وإدارة مرحلة إنتقالية غير واضحة المعالم في نهاياتها وسقفها الزمني.
في ليبيا، فإنها ما زالت تتخبط في المرحلة الإنتقالية التي دخلت فيها بعد سقوط معمر القذافي، والآن يطرأ عامل جديد هو تقدم الجيش الوطني لطرد الجماعات المسلحة ذات التوجه الإسلامي المسيطرة على غرب ليبيا، والتي استغلت الفوضى وغياب الدولة للتسلل وإقامة قواعدها.
والسؤال هنا، رغم ما نشهده من ربيع عربي بالتقسيط هل نتجه نحو حرب شاملة؟
إيران لن تقبل بالنقاط الـ 12 التي تحدث عنها وزير الخارجية الأميركي بومبيو، والتي تعني عمليا أن تتراجع إيران عن تمددها، وعن تسلحها الصاروخي، ومشروعها النووي، أي أن تستسلم. عدا عن وضع "الحرس الثوري" على لائحة الإرهاب، وإهداء ترامب القدس إلى "إسرائيل"، ومؤخرا الجولان، مع "صفقة القرن" التي ستتكشف معالمها قريبا، وضم المستوطنات في الضفة إلى" إسرائيل"، وإقامة حكم ذاتي فلسطيني في ما تبقى منها، وضم أراضٍ إلى الأردن، وإقامة كونفدرالية بين "إسرائيل" والأردن ومنطقة الحكم الذاتي. بات واضحاً أن هكذا صفقة لا يمكن تمريرها "على البارد"، أي أنها تتطلب فرض وقائع جديدة على الأرض، وتغيير موازين قوى. وإيران ليست فقط ضد "صفقة القرن"، إنما ضد أي عملية سلام مع "إسرائيل"، وهذا موقف آيديولوجي في صلب عقيدتها.
بالملخص، أميركا تريد تركيع إيران من دون حرب. وإيران تمتلك إرادتها في الإستمرار بقيادة "محور المقاومة"، والمحافظة على وجودها، ولكنها تحاذر في اتخاذ قرار الحرب، و"إسرائيل" قد تفضل قرار الحرب الآن على الإنتظار ودفع أثمان أغلى في المستقبل. لذا، الإحتمالات كافة واردة.
وهنا تبرز أيضأ المسألة الكردية، هل ثمة توجه أميركي ودولي من أجل إقامة دولة كردية سيكون المتضرر منها طهران وأنقرة إضافة الى سوريا والعراق، كون أراضي هذه الدولة المفترضة تمتد داخل الدول الأربع المذكورة ويعيش في كل منها الملايين من الأكراد. وما يحصل اليوم في سوريا مع الأكراد يمكن إعتباره بمثابة إختبار جدي لما هو مبيت، كونه يشكل نقطة البداية وعلى نار حامية لجلاء حقيقة الموقف الدولي بالنسبة لقيام أو عدم قيام مثل هذه الدولة الكردية، خصوصا وأنه سيتم رسم مسارات عديدة ومختلفة على ضوء إتضاح الصورة بالنسبة لوجود مثل هذا القرار أو عدمه.
وهذه المنطقة الشرق أوسطية بجزأيها الشمالي والشرقي الذي يضم سوريا وتركيا وإيران، ذاهبة إلى خرائط جديدة، من الواضح أن صراع واشنطن مع إيران قد يتحول إلى مواجهة عسكرية في أي لحظة، سوف ترفع راية حق تقرير المصير للأكراد جميعهم وبمن فيهم أكراد تركيا، وهذا نكاية بالرئيس رجب طيب إردوغان الذي من الواضح أنه بات يدير ظهره لحلف شمال الأطلسي وأنه أصبح محسوبا على الكتلة الروسية ـ الإيرانية.
فما سُمي "ثورة الربيع العربي" بكل ما رافقها وأعقبها من تدخلات، من الواضح أنها لم تكن صدفة أو مجرد تعبير عن تطّلع شعوب عديدة الى الإصلاح والتحديث والديمقراطية الحقيقية، بل جرى استخدامها من أجل فرض حالة من التآكل داخل هذه المجتمعات والدول، والهدف الأكبر كان ضرب الدول التي أمنت بناء جيوش مركزية عربية على خلفية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
هذا هو واقع الحال، فالقرن العشرين قد مضى بكل ما فيه، والآن هناك قرن جديد وواقع جديد، وهناك معادلات وخرائط يجري رسمها. إلا إذا استجدت مباغتات مفاجئة، عندها ستكون هناك الكثير من الخرائط الجديدة في بعض أجزاء هذه المنطقة التي باتت تقف على كف عفريت.