ما بعد الفجيرة حان رحيل الامريكان و"شرق اوسط" من دون " اسرائيل"..!
محمد صادق الحسيني
ان عملية ضرب الناقلات النفطية في بحر العرب قبالة ميناء الفجيرة بهذا التاريخ وبهذا المكان بالتحديد - اياً يكن الذي دبرها- انما تحمل دلالة واحدة لاغير :
لقد حان رحيل الامريكي من الخليج الفارسي وغرب آسيا مرة واحدة والى الابد ...!
وان انتهاء الوجود العسكري الاميركي الجوي والبحري في "الشرق الأوسط" استراتيجياً قد حسم امره و يجب ان يتحول من الان فصاعداً الى اجراءات عملية وآليات تنفيذ وجدول اعمال ينبغي الاتفاق علية بين القوى الاقليمية والدولية الفاعلة حقاً والتي رسمت فعلياً قواعد التوازن الدولية الجديدة في منطقتنا..!
ثمة امر كبير جداً في طريقة للتشكل والتبلور شيئاً فشيئا بعد كل سنوات المخاض التي مرت بنا ، وتأتي محطة تفجيرات بحر العرب لترسم بعض صورة ما ينتظر منطقتنا العربية والاسلامية خلال السنوات القادمة..!
ولما كان الامريكي هو المعني الاساس بالرسالة ننقل بعض ما قالة لنخلص بعد ذلك الى الدلالات :
تعليقا على عمليات التفجيرات الضخمة التي حصلت في الفجيرة فجر يوم الأحد ١٢/٥/٢٠١٩ ، قال مستشار ترامب السابق للامن القومي ، الجنرال هيربرت ريموند ماك ماستر H.R.McMaster ، في حديث له مع صحيفة جروساليم بوست الاسرائيلية ، نشرتة على موقعها الالكتروني أمس، قال :
هناك طريقتان لمحاربة الولايات المتحدة : الاولى هي الحرب غير المتكافئة ، وهو يعني هنا حرب العصابات ، والثانية طريقة غبية ، وهو يعني ان تدخل ايران في حرب كلاسيكية مع الولايات المتحدة .
من هنا ، يتابع الجنرال ماك ماستر ، الذي شارك في حرب العراق الاولى والثانية ، قائلا :
لذلك فأن ارسال المجموعة القتالية البحرية الاميركية المكونة من حاملة الطائرات ابراهام لينكولن والقوة المرافقة لها ، ليس الا لارسال رسالة الى ايران فقط لا غير...!
إذن فان الوضع في منطقة الخليج الفارسي خاصة ، وفِي منطقة "الشرق الأوسط" عامة ورغم كل الصخب والضجيج والتهديد والوعيد والكم الهائل من تقاذف التصريحات النارية ، ثمة ما يؤسس لة على غير صورة قرقعة السلاح الخارجية يقطع فيها العالمون بخبايا الامور بانه ليس فقط بانه لا توجه ابداً لحرب كبرى ولا مواجهة مرتقبة بين الولايات المتحدة الاميركية وايران ، بل وان ثمة قراءة جديدة تتبلور لدى الامريكان تقول بما يلي :
1. هنالك عدم رغبة قاطعة لدى الولايات المتحدة بشكل عام ، البنتاغون والاجهزة الامنية او ما يسمى الدولة العميقة هناك ، والرئيس دونالد ترامب بشكل خاص ، الدخول في حروب جديدة في الشرق الأوسط ، تؤثر سلباً على مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية على الصعيد الدولي ، سواء في القارة الآسيوية او في اميركا الجنوبية .
أي ان الصراع الاستراتيجي بين القوى العظمى لم يعد يدور على "الشرق الأوسط "وانما على الدور المستقبلي للصين واقتصادها النامي صاروخيا ، وبالتالي الدور السياسي والعسكري الذي ينتظر الصين على صعيد قيادة العالم .
2. ان ايران لم تعد تشكل بالنسبة للدولة الامريكية العميقة وترامب بشكل خاص خطراً استراتيجياً داهماً على مصالح الولايات المتحدة ، لا في الشرق الأوسط ولا في بقية انحاء العالم ، حتى لو امتلكت اسلحة نووية وحتى لو أوصلت حلفاؤها ، حزب اللة اللبناني والمقاومة الشعبية في سورية والحشد الشعبي العراقي والمقاومة الفلسطينية في الضفة ( في حال نشوب حرب )، الى القدرة على شن هجوم على اسرائيل واقتلاعها من الوجود ...!
حيث ان طبيعة اسرائيل كما طبيعة اكثر من نظام عربي تم تشكيله بداية القرن العشرين ، هي طبيعة وظيفية تنتهي بانتهاء الوظيفة ، التي كانت تقدمها للمصالح الاميركية والغربية ، هذه الدولة او تلك .
لقد تمثلت وظيفة اسرائيل في تامين تفتيت العالم العربي واضعاف دولة حماية للمصالح النفطية للدول الغربية بشكل خاص.
اما الان وقد اضمحل الاعتماد الاميركي ، خاصة ، على نفط الشرق الأوسط وبروز منافسة او حرب اقتصادية وجودية بين واشنطن وبكين فان التوجة الاستراتيجي الاميركي ، للدولة العميقة وللرئيس ترامب ، هو نحو الشرق الاقصى وبالتالي تجنب إشعال حريق في الشرق الأوسط قد يقضي على ما تبقى من المصالح الاميركية والغربية في هذه المنطقة من العالم .
3. من هنا فان عملية الفجيرة - وبغض النظر عمن نفذها - سوف تؤدي الى تحول استراتيجي في الشرق الأوسط والعالم . تحول سوف يخدم قبل كل شيء المصالح الاميركية في المنطقة المعنية وذلك لان مفاعيل هذة العملية ستؤسس ، في نهاية المطاف ، لانسحاب الاساطيل الجوية والبحرية الاميركية وغيرها من منطقة الخليج الفارسي والاتفاق مع أطراف اقليمية ، على رأسها ايران ، ودولية ، على رأسها روسيا ، التي لها مصالح واستثمارات كبرى في منطقة الخليج الفارسي ، سواء في السعودية او الامارات او قطر او غيرها .
مما يعني ضرورة البدء بمفاوضات متعددة الاطراف ، وبمشاركة أساسية لايران ، حول اقامة نظام امن إقليمي لحماية منطقة الخليج الفارسي بشكل خاص والشرق الأوسط بشكل عام ، دون الحاجة للتدخل العسكري المباشر للقوى العظمى وأساطيلها .
4. وهذا يعني اقامة نظام امني اقليمي ، يحافظ على مصالح الجميع ، من قوى إقليمية ودولية وبدون اسرائيل ، وبغض النظر عن احتمالية زوالها عن الوجود او تفكيكها خلال السنتين القادمتين بسبب انتهاء وظيفتها ، والذي يؤدي الى اعفاء الولايات المتحدة من اعباء التواجد العسكري الكثيف في الشرق الأوسط وما يترتب علية من اعباء مالية واتاحة المجال لاستخدام هذه الاموال في تنمية الاقتصاد الاميركي وهو الهدف الذي يعمل علية ترامب من اجل ضمان نجاحة في الانتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة . اذ ان السياسة الداخلية وليست الخارجية هي ما تؤثر بشكل كبير في مواقف الناخب الاميركي .
5. قلنا ذلك ونكرر ان الولايات المتحدة والرئيس ترامب لن يخوض حربا بتأثير من نتن ياهو او بن سلمان وذلك لان مصالح الدوائر الامريكية العليا فوق الجميع . ولنتذكر معا شعار ترامب الانتخابي : اميركا اولا ....!
بعد صدور تقرير المحقق الاميركي الخاص ، موللير ، بشأن علاقة ترامب بالروس قبيل وخلال حملته الانتخابية ، وتبرئته من تلك التهم نهائيا ، اصبح ترامب اكثر حرية في التنسيق والتعاون مع الروس ، خاصة في الشرق الأوسط الذي سبق له وأعلن قراره بسحب قواته منه .
ما يعني استبعادا لسيناريوهات الحرب في الشرق الأوسط
، لا بل الموافقة على استحداث
نظام امن إقليمي
في المنطقة ، كما أشرنا
سالفا . وهو الامر الذي عبر عنة وزراء خارجية الدول الاوروبية اليوم ، في تصريحات صحفية اعقبت اجتماعهم مع وزير الخارجية الاميركي في بروكسل ، والذي سيغادرها الى موسكو للاجتماع
بالرئيس بوتين ووزير خارجيتة .
ان وزراء الخارجية الأوربيين لا يمكن ان تكون تصريحاتهم حول ايران بهذه الايجابية لولا الضوء الأخضر الاميركي .والا لأقدم هؤلاء على اتهام ايران بعملية الفجيرة وبدأوا مشاوراتهم لنقل الموضوع الى مجلس الامن الدولي ...
6. من هنا فاننا على يقين بان من نفذ عملية الفجيرة ، وبغض النظر عن الجوانب الفنية فيها ، وعن طبيعة الاسلحة المستخدمة او الجهة التي تقف وراء ذلك ، فان من اهم تداعيات العملية تمثل في إرسال رسالة الى من يهمة الامر تنص على ما يلي :
ان الولايات المتحدة ليست بحاجة ولا بصدد خوض حرب ضد ايران ، من اجل ضمان مصالحها وان التعاون الإيجابي مع ايران هو الكفيل بذلك . كما ان بنية دول الخليج الفارسي الهشة لا تحتمل حربا في المنطقة وان الحرب ان اشتعلت فلن يبقى بعدها شيئاً اسمة دول خليجية .
والأهم من ذلك ان الرسالة قد وصلت الى عنوان المرسل الية وان ما يدور من اتصالات واجتماعات ، بين الولايات المتحدة والدول الاوروبية وروسيا ، يشير فقط الى ان البحث يدور حول التوافق على آليات امنية تلغي التصعيد القائم وتؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الدولي ، خاصة في مجال مشروع الحزام والطريق الصيني العملاق .
اما الدليل على وصول الرسالة الى من يلزم وصولها اليه فهو ما يعبر عنة الصمت الخليجي الذي يشبه حاله ابتلاع الموسى واستثناء دول الخليج الفارسي كافة من اَي نوع من هذة الاتصالات ، على الرغم من حصول عملية التفجير على اراضي مشيخة الفجيرة الاماراتية ، بعكس ايران التي اكدت تصريحات وزراء خارجية الدول الاوروبية العظمى أمس ، ومعهم وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيديريكا موغيريني ، بعيد اجتماعهم مع وزير الخارجية الاميركي في بروكسل ، على ضرورة استمرارها وعلى ضرورة الحفاظ على الاتفاق النووي معها .
اذن فالرسالة وصلت والهدف التكتيكي تحقق ايضا ، فيما الهدف الاستراتيجي على الطريق .
وهي حالة تشبة تماما ما حصل في بيروت ، عام ١٩٨٣ عندما تم تفجير مقر المارينز الامريكي ، حيث اجبر يومها الجيش الاميركي على الانسحاب من لبنان ، مما ادى الى وقف مشروع السيطرة الاميركية المباشرة على المنطقة انطلاقا من لبنان ...!
ونعني بذلك ان الانسحاب الاميركي ، من منطقة الخليج الفارسي وبقية انحاء الشرق الأوسط ، ستتم بهدوء وبشكل سلس وآمن ، وليس تحت النيران ، مما يحافظ على ماء وجة الولايات المتحدة ويخلق انطباعا بان الانسحاب قد تم بعد تحقيق الاهداف.
ولا بأس من ذلك لان هذا الانسحاب سيفرز تغيرا استراتيجيا مزلزلاً لن تبقى بعدة أنظمة الدول الخليجية ومعها نتن ياهو و"دكانته" فوق الارض ....!
اتى امر الله فلا تستعجلوه
بعدنا طيبين قولوا الله