kayhan.ir

رمز الخبر: 93793
تأريخ النشر : 2019May04 - 19:32

تركيا.. والخيارات الصعبة

سركيس أبوزيد

تجددت الأزمة بين الولايات المتحدة وتركيا، وهي الى تصاعد، على خلفية إصرار أنقرة على إتمام صفقة شراء منظومة "إس 400" الدفاعية من روسيا المقرر أن تتسلمها في تموز وتنشر منصاتها على أراضيها في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل. وكانت وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" هددت تركيا بمواجهة "عواقب خطيرة" في حال أصرت على شراء المنظومة الروسية، شملت فرض عقوبات عليها وحرمانها من نظام "باتريوت" الصاروخي وطائرات "إف - 35 " الحربية الأحدث في العالم، ومن توريد المعدات العسكرية لها. يحدث ذلك بالتزامن مع نتائج الانتخابات المحلية في تركيا والتي تعرض فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الى إنتكاسة شعبية هي الأوضح منذ وصوله الى سدة الزعامة المطلقة قبل نحو عشرين عاما.

في الواقع إن ما يقلق الولايات المتحدة من شراء تركيا المنظومة الدفاعية الروسية:

ـ أن هذه المنظومة تشكل مشكلة أمن قومي بالنسبة الى الحلف الأطلسي لأنها تضر بتكنولوجيا "الناتو"، إذ لن يتمكن من نشر مقاتلات من طراز "إف 35 " الملقبة بـ"الشبح" في ظل هذه الأنظمة الروسية، التي هي أخطر مما يعتقده العالم، إذ تستطيع إسقاط جميع الأهداف الجوية بما فيها الطائرات الشبحية وطائرات الإنذار المبكر الأميركية، إضافة إلى قدرتها على ضرب الطائرات قبل إقلاعها من حاملات الطائرات في حالة الحرب.

ـ أن روسيا ستكون الرابح الأكبر من هذه الصفقة، لأنه يعني تفوّق من "إس 400 " على "الباتريوت" وخرق روسي لحلف الناتو عسكريا.

ـ أن إقتناء تركيا لهذه المنظومة قد يشجع دولا أخرى في الاتحاد الأوروبي على الحصول عليها في إطار دمج هذه المنظومة في دول الحلف، ما يسهم بشكل كبير في إعادة موسكو للمنافسة العالمية في مجال التسليح.

بينما حقيقة الأمر أن تركيا تهدف من شراء هذه المنظومة الى:

ـ تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع روسيا، فهناك مصالح مشتركة تبلورت مؤخرا بين الدولتين: مصالح جيو سياسية تتمثّل في الشراكة الروسية - التركية في سوريا عبر إتفاق خفض التصعيد العسكري وتفاهمات آستانة وسوتشي، واتفاق الدولتين على ضرورة خروج الولايات المتحدة من سوريا حفاظا على وحدتها الجغرافية. بالاضافة الى مصالح اقتصادية تتمثّل في إرتفاع حجم التبادل التجاري بين الدولتين إلى 50 مليار دولار سنويا. وهناك مصالح "طاقوية" عبر إستغلال روسيا تحالفها الناشئ مع تركيا في التفوّق على الغرب في الصراع بينهما على الغاز وممراته وعقدة مواصلاته بين الدول والقارات.

ـ الضغط على الولايات المتحدة في ملف الأكراد في سوريا، فالولايات المتحدة ما زالت تدعم الأكراد، وتركيا ترى فيهم إمتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه تنظيما إرهابيا وتهديدا مباشرا لأمن تركيا القومي ووحدتها الجغرافية. وروسيا تتفق مع رفض أنقرة لإقامة أي كيان كردي على الحدود الجنوبية لتركيا.

توتر العلاقات بين صناع القرار التركي والأميركي وضع تركيا أمام وضع هو الأصعب، فتركيا لا تعتبر فقط بمثابة مشتر لطائرة "إف 35 "، بل دولة محورية في برنامج تطوير وصناعة هذه الطائرة، وإذا طبق الأميركيون قرار الإيقاف المؤقت لهذه الصفقة، فإن ذلك سيؤدي إلى وقف إنتاج الطائرة بشكل فعلي، أو إعاقة إنتاجها كون تركيا شريكة في المشروع وهي عنصر رئيسي في صناعة الطائرة، وسيقطع الطريق على وجود الضباط والخبراء الأمنيين الأتراك في غرف التخطيط الإستراتيجي لـ"الناتو"، تجنبا لوقوع عملية تسرّب للمعلومات والخطط الحربية والاستخباراتية. كما سيؤدي الى خسائر بمليارات الدولارات دفعتها تركيا مقابل إستلامها أول مجموعة من هذه الطائرات. وفي حال إتخاذ أي خطوة باتجاه منع أو تأخير تسليم الطائرة إلى تركيا، يتوقع أن تخوض تركيا معركة قانونية مع الإدارة الأميركية من خلال القضاء الدولي باعتبارها شريكا أساسيا في المشروع وساهمت في مراحل التطوير بمبالغ مالية كبيرة.

صحيح أن تركيا تمتلك أوراق ضغط على الولايات المتحدة، ولكن الولايات المتحدة أيضا تمتلك أوراق ضغط على تركيا أيضا، ويمكنها أن ترد من خلال زيادة دعمها العسكري واللوجيستي للأكراد وتثبيت مواقعهم في الشرق السوري، كما أنها قادرة على فرض عقوبات اقتصادية قاسية على تركيا تدمّر قيمة الليرة التركية.

في نفس الوقت أردوغان يدرك جيدا أن الإبتعاد عن الغرب سيكون بمثابة ضربة قاسية لتركيا وسيؤدي إلى المزيد من التدهور الاقتصادي في البلاد وفقدان ثقة المستثمرين في الاقتصاد التركي، لذا فإن أردوغان سيحاول بعد إنتهاء الانتخابات المحلية في بلاده إقناع واشنطن بقبول حل وسط أو المقايضة في بعض الملفات لحل النزاع بينهما.

فبعد أعوام من السيطرة على القرار السياسي التركي والإنتصارات الانتخابية المتواصلة لحزب العدالة والتنمية، شكلت الإنتخابات البلدية ضربة قوية للحزب الحاكم في ضوء خسارته في كبرى المدن التركية، أنقرة واسطنبول وأنطاليا وأضنة وأزمير. إلا أن خسارة مدينة اسطنبول كانت ضربة سياسية ومعنوية كبيرة وموجعة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي صعد نجمه منها.

إنعكاسات نتائج الإنتخابات على السياسات الداخلية معروفة ويمكن التنبؤ بها، فأردوغان إلتقط الرسالة سريعا، وأعلن أنه سيعمل على تحديد أوجه التقصير والعمل على إصلاحها، وأن أولويته خلال الفترة المقبلة ستكون تعزيز الاقتصاد وزيادة فرص العمل، لإدراكه أن الصعود الاقتصادي الذي تحقق في تركيا خلال فترة حكم العدالة والتنمية كان من أهم الأسباب التي جعلته يحتفظ بالحكم حتى الآن، ولكن انعكاساتها على سياسته الخارجية تبقى مبهمة ومفتوحة على إحتمالات كثيرة، ومنها:

ـ العودة إلى الحضن الأميركي مجددا لتفادي غضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والمزيد من العقوبات الإقتصادية التي قد تعقد المشهدين الإقتصادي والسياسي.

ـ التوجه نحو تعزيز التحالف مع روسيا بمزيد من الإتفاقيات الإستراتيجية، وخاصة الإقتصادية والتجارية والعسكرية لتفادي العقوبات الأميركية التي قد تتزايد مع التقارب الروسي التركي.

لكن من المتوقع أن تُحل الأزمة بطريقة أو بأخرى في المستقبل، فمن الصعب على تركيا خسارة أميركا في هذه المرحلة المعقدة التي تشهد ترتيبات جديدة للمنطقة، وكذلك لا تستطيع واشنطن تحمّل النتائج التي يمكن أن تترتب عليها خسارة تركيا. ومن المرجح أن تقوم تركيا بالإبقاء على السياسة المتبعة ذاتها، أي السير مع روسيا ومسايرة الولايات المتحدة في آن واحد، وهو الخيار الأكثر رجحاً لإنهاء الأزمة بين الحليفين، وذلك تفادياً من إحتمال إتساع الشرخ وتحوله إلى خصومة وعداء سياسي وأيديولوجي ثابت.