kayhan.ir

رمز الخبر: 92684
تأريخ النشر : 2019April13 - 19:38

الإرهاب يتمدد إلى أفريقيا والعالم


سركيس أبوزيد

في الوقت الذي استعد فيه العالم للاحتفاء بالقضاء على جيوب تنظيم "داعش" في العراق وسوريا، خرجت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، بتقرير متشائم يقول: "إن "داعش" لم يُهزم بعد، وإنما عاد إلى طبيعته الأصلية كتنظيم إرهابي دموي، لا يسيطر على أرض وبشر، لكنه يشكل بالتأكيد تهديدا للعالم الحر بواسطة هجمات خطيرة جديدة". وذكر تقرير نشره موقع "واللا" الإلكتروني في تل أبيب أن تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، تشير إلى أن "داعش" يضم ما بين 150 إلى 200 ألف ناشط في أنحاء العالم.

وضمن السياق نفسه، تتعامل الأجهزة الأمنية اللبنانية المختصة بجدية مع معلومات استخباراتية إقليمية "تحدثت عن عملية "إعادة تصدير" للإرهابيين الأجانب من سوريا، عبر المطارات التركية ودول في أوروبا الشرقية، حيث يعاد تنظيم ترحيل من تبقى من هؤلاء الى دول جديدة بعد أن رفضت دولهم، وخاصة الأوروبية، استقبالهم.

وكان مسؤول بارز في الحكومة العراقية حذّر نظيره اللبناني من وجود ضغوط أميركية وأوروبية على دول المنطقة، ومنها العراق، لقبول محاكمة عناصر "داعش" الأجانب المعتقلين لدى قوات "قسد" في سوريا. ولفت الى أن الرفض العراقي قوبل بعروض وإغراءات من قبل الأوروبيين والأميركيين بتمويل مشاريع استثمارية. ووفقا للمعلومات، حذر المسؤول العراقي نظيره اللبناني من موجة ضغوط مرتقبة على لبنان لنيل حصته من هؤلاء تحت عناوين شتى ووفق مغريات ترتبط بالمساعدات المالية والديون.

وأكدت مصادر أمنية لبنانية أن الأجهزة باتت في أعلى مستويات الاستنفار لمراقبة المعابر الحدودية البرية والجوية الشرعية وغير الشرعية لمنع تسلل هؤلاء الى الأراضي اللبنانية. ويجري تعاون وثيق مع دول إقليمية معنية في هذا الملف، وتجري مطابقة اللوائح الإرهابية وتقاسم المعلومات ساعة بساعة كي لا يتم استغلال أي ثغرة تسمح لهؤلاء بدخول الأراضي اللبنانية.

يحدث هذا الأمر في الوقت الذي تركز فيه الأنظار على الساحة الليبية التي تعد وجهة رئيسية لهذا التنظيم، فعلى رغم مضي تسع سنوات على سقوط نظام معمر القذافي ما زالت ليبيا غارقة في الفوضى والعنف والمجهول.

فبعد سنة من تسلم السراج رئاسة الحكومة، تمكن في العام (2016) من تحقيق إنجاز عسكري مهم، تمثل في تمكن القوات الموالية لحكومته من طرد مسلحي تنظيم "داعش" من مدينة سرت.

لكن، مؤخراً أطلق المشير حفتر القائد العام للجيش الوطني هجوما جديدا يستهدف هذه المرة طرابلس، مقر حكومة الوفاق الوطني، التي يترأسها خصمه فايز السراج، وتحظى بدعم المجتمع الدولي، بحجة محاربة الإرهاب وطرد الإرهابيين، ولأنه يشتهر أيضا بكونه العدو اللدود للإسلاميين. تضارب المواقف الدولية يشي بصدام مرتقب حول ليبيا، فهناك عوامل كثيرة تعرقل التوصل الى تسوية، أبرزها: انقسام الخارطة الليبية بحكم الواقع العسكري الميداني الى أربع مناطق جيو ـ سياسية تتباين معالمها بحسب القوة المسيطرة عليها:

- الغرب الليبي، وعاصمته طرابلس الغرب، تتمركز فيه حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، بدعم من الميليشيات المسلحة، غالبيتها إسلاموية.

- الشرق، وعاصمته بني غازي ويسيطر عليه الجيش الوطني بقيادة المشير حفتر، وينال اعتراف ودعم دول خارجية عديدة.

- مناطق متفرقة في وسط ليبيا وجنوبها يسيطر عليها "داعش" الذي يملك في ليبيا أكبر قاعدة عسكرية بعد أن خسر دولته وأسطورته في سوريا والعراق. ويحتمي "داعش" بالصحارى الشاسعة ويتعاون مع عصابات إجرامية دولية متعددة.

وثمة من يتوقع عودة "داعش" للظهور بقوة أكبر من السابق، لأنه أقام قواعد ومخابئ في الصحارى يصعب الوصول اليها يستعملها للعودة للشمال عبر الخلايا التي يحتفظ بها قرب طرابلس.

فبعد الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط، وتحديدا على تنظيم "داعش" في سوريا والعراق، اتجهت الأنظار نحو القارة الأفريقية على أنها الساحة الجديدة للحرب على الإرهاب، خصوصا أنها واحدة من أكثر مناطق العالم فقرا، ما يجعلها بيئة خصبة لنمو وانتشار التنظيمات الإرهابية.

وقد تحولت أفريقيا بالفعل إلى مركز للحرب على الإرهاب، وهي الآن في قلب الإعصار وفي صدارة الاهتمام الدولي. وهذه الحرب تجري على 4 جبهات رئيسية هي: الصومال، وحوض بحيرة تشاد، والساحل، وأبرز الجماعات المتشددة في أفريقيا:"بوكو حرام"، و"حركة الشباب الصومالية"، و"الدولة الإسلامية في أفريقيا الغربية"، و"تنظيم القاعدة في بلاد المغرب"، و"تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى"، وتنظيم "داعش".

في الواقع، تشكل القارة الإفريقية ساحة للصراع بين القوى العالمية بحثا عن موطئ قدم في قارة لا تزال خصبة للاستثمار، وبحثا عن نصيب من ثرواتها الهائلة التي لا تزال نائمة تحت باطن الأرض، كالنفط والغاز واليورانيوم والذهب، كل ذلك يجعلها في مرمى التنظيمات الإرهابية الساعية لضرب المصالح الغربية، خصوصا أن هذه التنظيمات تستغل موقع القارة على ممرات تهريب المخدرات من أميركا الجنوبية نحو أوروبا، للدخول في شبكات التهريب من أجل تمويل أنشطتها الإرهابية.

لكن، إرهاب "داعش"، ولد في المقابل إرهاباً آخر متمثلاً "بالتطرف المسيحي"، وهو ما أصاب مؤخراً نيوزيلندا، البلد الأكثر هدوءا وأمانا في العالم، ويقطنه خمسة ملايين نسمة، بينهم فقط واحد في المئة مسلمون، هذا البلد شهد أبشع هجوم إرهابي نفذه شاب عنصري أسترالي في مسجدين في مدينة "كاريست تشيرس" وراح ضحيته نحو خمسين شخصا بالإضافة الى إصابة عدد مماثل بجروح.

تنظيم "داعش" الإرهابي سارع الى استغلال هجوم نيوزيلندا وأطلق دعوات عبر منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي للانضمام للتنظيم .

بعد هجوم المسجدين في نيوزيلندا حصلت ردة فعل في العالم الإسلامي تجاوزت عبارات التنديد والإدانة وأطلقت تحذيرات وتنبيهات الى نتائج مثل هذا الهجوم الذي يشكل مؤشرا خطيرا لجهة تصاعد خطاب الكراهية ومعاداة الأجانب، وانتشار ظاهرة "الإسلاموفوبيا" في الكثير من بلدان أوروبا. أما في الدول الغربية، فقد سمعنا تنديدا وبأقسى العبارات بهذا الإرهاب المروع وإدانة له، ما عكس القلق العميق لتنامي ظاهرة الإرهاب المسلح المستند الى خلفيات وتبريرات دينية، والحاجة الى تغيير الطرق المعتمدة في مواجهته.

في ضوء هذه المتغيّرات في مسار الإرهاب الكامن والمتفشي والآخذ في الاتساع، يصبح التغيير ضروريا في طرق مواجهة الإرهاب المتعدد الأشكال المتنقل بين العنف الدموي والعنف السياسي. وإذا كان دور المرجعيات والمؤسسات الدينية مهما ومطلوبا وأساسيا في وأد التطرف في مهده قبل أن يتحول الى "إرهاب دموي، فإن كل ذلك لا يكفي إذا لم تكمله خطوات وإجراءات عملية هي شأن الحكومات والدول والمنظمات الدولية .