ماهي الأهداف الحقيقيه من التغييرات التي أعلن العاهل السعودي اجراءها وشملت الجانبين السياسي والأمني؟ وهل ستكون مقدمة للإطاحة بولي العهد بن سلمان.. ام تمهيدا لتوليه العرش قريبا جدا؟ ولماذا الأمنية منها الأكثر أهمية في رأينا؟.. اليكم قراءة أولية مختلفة
اجرى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز تغييرات أمنية ووزارية كانت لافتة نوعيا وزمنيا، اثارت العديد من علامات الاستفهام حول الهدف الحقيقي منها، والخطوات المقبلة التي يمكن ان تتلوها، على العرش وولاية العهد.ظاهريا كان التغيير الأبرز هو إقالة السيد عادل الجبير من وزارة الخارجية، وتعيين إبراهيم العساف، وزير المالية السابق، والمعتقل السابق بتهمة الفساد في فندق "الريتز كارلتون” مكانه، وكذلك اعفاء تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل من منصبه كرئيس الهيئة العامة للرياضة ونقله الى الهيئة العامة للترفيه، ولكن التغييرات الأهم في رأينا كانت في المناصب الأمنية، ونشير بشكل خاص الى تعيين الأمير عبد الله بن بندر بن عبد العزيز وزيرا للحرس الوطني، الجيش السعودي الموازي، والسيد مساعد بن محمد العبيان مستشارا للأمن الوطني، وخالد بن قرار الحربي مديرا للأمن الوطني، واعفاء الامير محمد بن نواف بن عبد العزيز من منصبه كسفير للمملكة في لندن وتعيينه مستشارا في الديوان الملكي، وربما جاء ابعاد الأمير محمد بن نواف من سفارة لندن يعود الى قربه من الأمير احمد بن عبد العزيز الذي رفض مبايعة الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد، وبات مرشح بعض الأعضاء في الاسرة الحاكمة كبديل لولي العهد باعتباره ثاني اصغر أبناء الملك المؤسس، ويملك خبرة طويلة في الحكم، ومن الجناح السديري القوي، وكان السفير بصحبة الأمير احمد عندما طالب متظاهرين يمنيين بعدم تحميل الاسرة الحاكمة مسؤولية الحرب، وانما الملك وولي عهده.كان لافتا ان الأمير بن سلمان احتفظ بجميع مناصبه في الدولة، كولي للعهد، وزير الدفاع، نائب رئيس الوزراء، رئيس مجلس الشؤون الأمنية والسياسية، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية، أي جميع المناصب في الدولة، سواء كانت هامة او ثانوية، سياسية او اقتصادية، عسكرية او امنية، دينية او علمانية.هناك عدة اهداف يرغب العاهل السعودي من تحقيقها من هذه التغييرات التي جاءت بعد إعادة هيكلية جهاز الاستخبارات، وإعلان ميزانية سنوية هي الاضخم في تاريخ المملكة (تريليون ريال) تتضمن عجزا مقداره 35 مليار دولار:الأول: محاولة تغيير، او تصحيح، صورة المملكة وهيبة الحكم فيها، وهي الصورة التي تضررت من عملية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، وتقطيع جثمانه، وكشفت عن سذاجة وانعدام خبرة في التطبيق، وغياب كامل للمهنية في إدارة الازمة سياسيا واعلاميا.الثاني: الإيحاء بإبعاد عناصر مهمة في الدائرة المقربة من الأمير بن سلمان من مناصبهم، مثل عادل الجبير الذي اختاره الأمير بن سلمان كوزير للخارجية (عام 2015)، او تركي آل الشيخ رئيس الهيئة العامة للرياضة الذي تسببت سياساته ومواقفه، خاصة تجاه بعض الأندية المصرية (الأهلي) او مجاهرته بعدم التصويت للمغرب في ملف تنظيم كأس العالم 2026 بتفجير أزمات مع الدولتين على الصعيدين الرسمي والشعبي، ونقول الإيحاء لان ما احدث هو "تدوير” لمناصب هؤلاء، أي بقاءهم في الواجهة من خلال تولي مناصب أخرى.الثالث: تبني سياسة خارجية جديدة تقوم على تهدئة الازمات، والتقارب مع سورية ومحورها، والتعاطي بشكل متوازن مع أطراف الطيف السياسي والطائفي اللبناني، وتحسين العلاقات مع الأردن والعراق، والتمهيد للانسحاب التدريجي من الازمة اليمنية، وربما تشكيل محاور جديدة ضد قطر وتركيا، وفتح قنوات حوار مع العراق وايران، واختيار السيد العساف الرجل المخضرم الذي يتسم بالرصانة والخبرة، وعمل مع ثلاثة ملوك وزيرا للخارجية مكلفا بهذه المهمة:هناك قراءتان، ابو بالأحرى تكهنان، للخطوة التي يمكن ان تتلو هذه التغييرات في الأشهر الأولى من العام الجديد:الأولى: تقول بأنها ربما جاءت تمهيدا لتغيير ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، واختيار ولي عهد جديد، لتخفيف الصدام مع المؤسسة الامريكية الحاكمة، وخاصة مجلس الشيوخ الأمريكي، بعد قراره الأخير الذي صدر بإدانته وتحميله مسؤولية اغتيال الخاشقجي بالإجماع، ووقف كل الدعم للسعودية في حرب اليمن.الثاني: ان يكون الأمير محمد بن سلمان الذي من المؤكد وقوفه خلف معظم هذه التغييرات، ان لم يكن كلها، باعتباره الحاكم الفعلي، يمهد لإعفاء والده من الحكم بحجة المرض، وجلوسه على العرش، ووضع الاسرة الحاكمة، وبعض منتقديه في الداخل والخارج امام الامر الواقع.يصعب علينا ترجيح أي من هذين الخيارين، وان كنا لا نستبعد الخيار الثاني، أي تولي الأمير بن سلمان العرش، لان التقارير الطبية التي يجري تسريبها عن صحة الملك سلمان تؤكد ان حالته المرضية تزداد سوءا، مضافا الى ذلك ان ولي عهده متمسك بمنصبه ويهدد بالمقاومة حتى الموت لاي محاولة لإقصائه منه، او تقليص أي من صلاحياته، وغياب أي تهديد داخلي حقيقي له حتى الآن على الأقل.التغييرات السياسية شكلية وليست على درجة كبيرة من الأهمية، لكن الأمنية منها، خاصة تغيير رئيس الحرس الوطني، الجيش الموازي، الذي قد يشكل التهديد الأخطر عليه لأنه ربما يمثل نظريا الذراع الضارب للمعارضة، ولجناح العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله وابنائه وحلفائهم، والشيء نفسه يقال أيضا عن تعيين مستشار جديد للأمن الوطني، وإعادة هيكلية جهاز الاستخبارات العامة من قبل لجنة بقيادة ولي العهد، هي التغييرات الأهم التي تعكس احكام فبضة الأمير بن سلمان عليها، وسد كل الثغرات التي يمكن ان تشكل مصدر الخطر على حكمه، او طموحاته بالحكم على الاصح.نتوقع مفاجآت قادمة من السعودية التي لم تعد "مملكة الصمت” مثلما كان يطلق عليها في الماضي، فولي العهد شخص "مغامر” ولا يتردد في اتخاذ القرارات التي تتسم بالخطورة والتهور حسب آراء الكثير من منتقديه.. والله اعلم."
راي اليوم