اكراد سوريا و إطفاء فتيل الأزمة
ربما قيل الكثير عن اسباب اتخاذ الرئيس ترامب لقرار سحب القوات الاميركية من سوريا ثم تبعها من افغانستان لكن الاكثر الاثارة وهذا ما افصح عنه ان تدخلاتنا المباشرة في المنطقة لم تجلب لنا سوى المزيد من الخسائر المالية التي بلغت مئات التريليونات من الدولارات وآلاف القتلى ولسنا مستعدين للقتال اكثر من ذلك بالنيابة عن الاخرين وليس لدينا مصلحة في هذا الصراع وهو بذلك يرمي الكرة في الملعب التركي وسائر دول المنطقة ان يتصرفوا للدفاع عن انفسهم، لكن ما كان لافتا هو تصريحات الرئيس اردوغان بعيد الانسحاب الاميركي من سوريا والذي اكد فيها بانه سينسق مع موسكو وطهران لاستتباب الامن والسلام في سوريا وانه اوعز الى الجيش التركي التريث في العملية العسكرية التي كان من المزمع تنفيذها في الاراضي السورية وهذا ما هدد به قبل ايام.
تركيا التي تصورت عقب الانسحاب الاميركي انها ستملئ الفراغ اصدمت بعقبات كبيرة منها المعارضة الروسية ـ الايرانية لمثل هذا التحرك من جهة ومن جهة ثانية تحرك الجيش السوري صوب شرق الفرات لذلك لم يكن امامها سوى التراجع والتعامل بالواقعية المطلوبة، لكن الحلقة الاضعف عقب الانسحاب الاميركي هم اكراد سورية الذي اصبح ظهرهم مكشوفا وهذا ما اشارت اليه بعض قياداتهم حين وصفوا التخلي الاميركي بطعنة في الظهر والخيانة. ومع الاقرار بهذا الاعتراف المر الا ان البعض الاخر من هذه القيادات توجهت الى باريس تبحث عن داعم آخر لايمكن اساسا مقارنته باميركا وامكاناتها الا انها في النهاية اضطرت الى الهزيمة من المنطقة فكيف لفرنسا ان تقوم بهذا الدور الذي هو اكبر منها بكثير لانها لن تكون بتلك القوة التي تحمي الاكراد ومناطقهم وان كل ما تفعله في حال تقدم الجيش السوري ومحور المقاومة هو ان تجلي قادتها من ارض المعركة وتنقلهم الى اوروبا.
فعلى السياسيين العقلاء والمثقفين والنخب الكردية وحتى بعض القيادات العسكرية الواعية ان تعي حقائق الامور والتوازنات في المنطقة ومصلحة شعوبها ودولها جميعا بانه لا حضن ولا وطن يحميهم ويؤمن مستقبلهم ومستقبل اجيالهم سوى الوطن السوري وان الرهانات على الاجنبي والقوى المعادية لشعوب المنطقة هو مجرد سراب لا اكثر ويكفي ان تنظروا الى تجربتكم الحالية والى ما شهدته أم اعينيكم سابقا كيف تخلت اميركا عن اكراد العراق بكل سهولة وكأنه لم يكن شيئا مذكورا.
ولو اخذتم بنصيحة "روبرت فورد" السفير الاميركي السابق في دمشق عام 2013 حين قال بالحرف الواحد ان "مسؤولين اميركيين قالوا لي بصراحة بان الاكراد السوريين يقومون بأكبر خطأ في وضع ثقتهم بالاميركيين". لما تحملتم كل هذه المصاعب ولجنبتم شعبكم هذا العناء والخسائر المادية والبشرية التي انتم في غنى عنها.
واليوم انكم امام فرصة تاريخية اخرى للحفاظ على اموال شعبكم وممتلكاته وارواحه بان تقطعوا الطريق على اعداء سوريا الذين هم اعداءكم ايضا، بالتنسيق مع الجيش العربي السوري ورفع العلم السوري للدفاع عن ارض الوطن لسحب الذريعة من الجانب التركي، ناهيكم عن ان الدواعش الذين هم اليوم محاصرون من الاطراف الاربعة اصبحوا لقمة سائغة وقد ينهارون في اية لحظة بسبب رفع الغطاء الاميركي عنهم الذي وفر لهم الحماية طيلة السنوات الماضية.