مملكة القرون الوسطى
عاصفة ارادوها في اليمن لاستحكام مملكتهم لكنها اليوم تحولت لتعصف بهم عندما اقدموا على التصفية الجسدية المروعة لجمال خاشقجي في قنصليتهم باسطنبول وبحسب الشواهد والمؤشرات والمواقف التي صدرت من هنا وهناك بانه ليس في الافق من بصيص امل تدل على ان تهدأ هذه العاصفة قبل سقوط هذه العائلة الطاغية التي اتخذت نهجا دمويا لتصفية معارضيها وخصومها وان كان خاشقجي ليس في هذا التصنيف. اما لماذا كان مصيره في هذه الخانة يرجح الكثيرون لما كان يحمله الرجل مع من معلومات خطيرة تخوفت المملكة من تسريبها الى الاخرين.
لكن على ما يبدو ان التخبط والارباك الشديدين اللذان يسودان المملكة من شدة الازمات التي تعصف بها واولها الانقسام العائلي العميق داخل الاسرة الحاكمة حول سياسات محمد مرورا بتبعات الاعتقالات العشوائية التي طالت اللآلاف من مختلف الشرائح السعودية والتي قال عنها القحطاني مستشار بن سلماني الذي لجأ مؤخرا الى لندن بانها تجاوزت الـ 25 الف معتقل وانتهاء بحرب اليمن الخاسرة التي استنزفت المملكة بكل مواردها دفعت ببن سلمان ان يفقد توازنه وعقله ويقدم على هذه الخطوة الجنونية دون التعمق في تبعاتها بهدف ايصال رسالة الى المعارضة بانه لن يتسامح معها بالمطلق.
لكن الرأي العام العربي والاسلامي يتساءل اليوم من الذي جرأ ابن سلمان ان يقدم على هذه الجريمة المروعة في وضح النهار وهو متلبس بها دون ان يفكر في نتائجها الوخيمة على الاكثر انه علق آماله على الدعم الغربي المكشوف له خاصة من الرئيس ترامب. لكن الامر الاخر الذي كان في حسابات بن سلمان الخاطئة بانه سيدفع الاموال لتميع القضية وشراء الذمم وهذا ما حدث اليوم عندما يعلن السفير التركي في بيروت بأن بن سلمان عرض على الرئيس اردوغان مبلغ 5 مليارات دولار لاغلاق الملف.
الامر الآخر الذي شجع بن سلمان على اقتراف هذه الجريمة التي تعد تحديا للبشرية هو ليس الصمت الغربي المميت تجاه مجازره المروعة في اليمن خاصة في قتل الاطفال وحده، بل تشجيعه على ذلك من خلال بيعه السلاح والمشاركة الفعالة في تقديم المعلومات والخدمات اللوجستية وهذا ما اعترف به الرئيس ترامب بعيد العدوان السعودي على اليمن.
وما كان صادما للرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ان ترامب حاول ان يتجاهل الموضوع في البداية مع علمه بان خاشقجي قد تقطع اوصاله في الساعات الاولى من احتجازه في القنصلية لكنه بعد احد عشر يوما من الحادثة اعلن بالامس وفي مقابلة مع شبكة الـ "سي بي اس" الاميركية نفاقا وتزويرا لخداع العالم بأنه "سيكون هناك عقابا شديداً للسعودية اذا كان خاشقجي قد قتل في القنصلية". ومهما حاول ترامب وبعض القادة الغربيين الذين تحدثوا بهذه الموضوع للاستهلالك المحلي او الذين لم ينبسوا ببنت شفه حتى الان هم مساهمون بشكل أو آخر بهذه الجريمة الفظيعة ولن يتمكنوا من التنصل عن ذلك لانهم يمتلكون اليوم احسن العلاقات الاستراتيجية مع هذا النظام الاسبتدادي والبوليسي الذي قفز من القرون الوسطى الى عصرنا الحاضر.