إعادة تأكيدٍ للوجود الإيراني - الروسي في سوريا
سركيس ابو زيد
التدخل العسكري الروسي في سوريا أدى إلى خلط أوراق اللاعبين في ساحتها، كما شكل نقطة تحوّل أساسي في مجرى الحرب فيها. ورغم ظهور فجوة بين إيران وروسيا إلا أن الطرفين يسعيان لتأكيد العلاقة واستمرارها، فالشراكة في الحرب من أجل هدف واحد هو دعم نظام الرئيس الأسد والقضاء على الإرهاب، فإيران على امتداد سنوات الحرب أقامت بنية تحتية قوية لوجودها في سوريا ولا تفكر في مغادرتها وستبقى فيها طالما الأسد باقٍ وبناء على طلبه.
أما مصير الرئيس بشار الأسد فقد بات خارج أي نقاش وبحث، أي أن هناك إقراراً دولياً إقليمياً ببقائه واستمراره، وعدم ربط أي تسوية برحيله وإسقاط عبارة "لا مكان له في مستقبل سوريا". الأوروبيون أول من سلّموا بهذا الواقع، تبعهم الأتراك، والآن الأميركيون والإسرائيليون، وقريباً الإماراتيون والسعوديون. وعودة سوريا الى جامعة الدول العربية ستطرح بعد أشهر، حيث أشارت معلومات دبلوماسية منذ فترة الى تطورات جديدة على خط العلاقات بين دول الخليج الفارسي، وتحديداً السعودية والإمارات والبحرين، وسوريا. بعض هذه المعلومات أشارت الى أن لقاءات عُقدت بين مسؤولين سعوديين وسوريين، وأن الإمارات بدأت الإعداد لإعادة فتح سفارتها المغلقة في دمشق، وكل هذه الحركة الإيجابية تتم من خلفية أمرين أساسيين:
- الأول: أن دول الخليج الفارسي باتت معترفة بالواقع السوري الجديد، ومستعدة للتعامل معه وعلى أساس أن الرئيس بشار الأسد ربح الحرب واستعاد زمام المبادرة والسيطرة.
- الثاني: أن الأولوية الخليج الفارسيية تبدلت في سوريا والمنطقة. فالمشكلة لم تعد مع الرئيس الأسد وإنما مع إيران.
محللون يرون أن مشكلة دول الخليج الفارسي هي مع إيران المتمددة سياسياً وعسكرياً في سوريا، لذلك، فإن أي تقارب خليجي مع النظام السوري هو عملياً تقارب مع إيران وانفتاح عليها. في المقابل تتحمّل دول الخليج الفارسي "تمنينا" دوريا فظا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يذكرها على نحو يومي تقريبا "بسخاء" بلاده، ويطالبها بدفع ثمن الحماية، في ما يشكل سابقة في تاريخ العلاقات بين واشنطن والرياض. وتضغط السعودية حالياً لخفض أسعار النفط تلبية لرغبة "سيد البيت الأبيض"، وذلك ليس إلا طمعاً بدعمه في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووضع حد لنفوذها في المنطقة وتطلعاتها النووية التي تعتبرها دول الخليج الفارسي تهديداً لها.
وضمن هذا السياق تأتي المؤشرات التي ترجح أن هناك تحولاً حقيقياً في حجم الاهتمام الأميركي بالمسألة السورية من زاويتين: الأولى أمن الكيان الإسرائيلي، والثانية استراتيجية المجابهة مع إيران على مستوى المنطقة. وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو حدد أولويات السياسة الأميركية في سوريا بثلاثة أهداف:
- القضاء على "داعش"، والبقاء لضمان عدم ظهوره مرة ثانية.
- تصفية الوجود العسكري بالكامل لإيران وحلفائها في سوريا.
- التعاون مع روسيا لتحقيق الحل السياسي، والتمسك بالمفاوضات السياسية بين "المعارضة" و"النظام" تحت رعاية الأمم المتحدة في جنيف.
في المقابل، وجّه السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد إنتقاداً شديد اللهجة للسياسة التي تتبعها إدارة ترامب في سوريا. وكتب في صحيفة "الشرق الأوسط": "ينبغي على بعض الساسة الأميركيين الذين يديرون دفة السياسة الأميركية إزاء سوريا أن يتحلوا بقدر من التواضع، لقد مارسوا الضغوط الشديدة لأجل أن يتولى نوري المالكي رئاسة وزراء العراق في عام 2010 و 2010. وأثبت التاريخ أن هذا كان من الأخطاء السياسية الفادحة التي أفضت إلى بروز خطر "داعش" في كل من العراق وسوريا لاحقاً"، وفق تعبيره.
أما عن وجود حزب الله في سوريا، فيجري الحديث بين الحين والآخر عن احتمال انسحاب حزب لله من سوريا وعودته الى لبنان، بعدما بدأت الحرب تضع أوزارها وانتهت المعارك الكبرى وحُسمت عسكريا كما جرى في الغوطة ودرعا، أو جرى حسمها بالتسوية كما جرى في إدلب. مع العلم أن حزب لله عمد الى التخفيف من تواجده العسكري والى إعادة جزء من قواته بما يتماشى مع الأوضاع والظروف الجديدة في سوريا، ولكن انسحاب حزب لله من سوريا غير مطروح حاليا ومستبعد في المدى المنظور، بدليل:
- إعلان الرئيس السوري بشار الأسد أن المعركة طويلة ومستمرة، وأن الحاجة الى حزب لله لم تنتفِ بعد وستستمر لفترة طويلة.
- تأكيد الأمين العام لحزب لله السيد حسن نصرلله أن حزب لله باقٍ في سوريا وطالما أرادت القيادة السورية أن يبقى.
- إشارة رئيس مجلس النواب نبيه برّي (في حديث لوكالة "سبوتنيك" الروسية) الى أن "حزب لله موجود في بلده، لأنه لو لم يكن متواجدا هناك، لكان "داعش" قد أصبح هنا في لبنان"، ليؤكد أن "السبيل الوحيد لانسحاب الحزب هو تحرير الأراضي السورية".
- إعلان إيران على لسان أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني أن بلاده، ومعها حزب لله، لن تنسحب من سوريا رغم الضغوطات التي تتعرض لها، وأن تدخلها في سوريا جاء بطلب من الرئيس الأسد. وربطت إنسحابها من سوريا بإخلاء القوات الأميركية وقوات "التحالف الدولي" لقاعدة التنف على الحدود السورية - العراقية.
في الواقع، الوجود الإيراني في سوريا متعلق بموقف روسيا التي لا تريد خروج إيران من كل سوريا، فالتوافق الروسي - الإيراني شامل في التفاصيل الميدانية على الأرض، وهي تدعم حق حلفائها الإيرانيين الثابت في البقاء في سوريا، انطلاقا من قناعة بأن وجود روسيا في سوريا مرتبط عضويا بوجود إيران. فروسيا تدرك جيدا أنها عادت الى المسرح العالمي كلاعب أساسي من خلال الملف السوري، والتوازن الدولي عاد من خلال البواية السورية. بوتين اليوم يتقاسم العالم مع ترامب من خلال المعادلة الدولية الجديدة، ولإيران دور أساسي فيها وكذلك حزب لله، وروسيا تعرف ذلك، وبالتالي التوافق بينهم كبير جدا. وأكثر من ذلك، فإن الروس وحتى انتهاء المعركة وإعادة توحيد سوريا بشكل كامل هم بحاجة لوجود حزب لله والإيرانيين على المستوى الميداني والعسكري أولا. موسكو لن تعمل على إخراج إيران أو إضعافها في سوريا، لأن من شأن ذلك أن يؤثر بشكل خطير جداً على الأمن القومي لروسيا في المنطقة من آسيا الوسطى الى الشرق الأوسط.