أوروبا وواشنطن... هل يحدث افتراق الحليفين؟
سركيس ابو زيد
تعود الخلافات بين الدول الأوروبية في حلف الناتو والولايات المتحدة إلى بداية التسعينات من خلال التطلعات الأوروبية للعب دور أكبر عالميا، والضغط الأميركي على الاتحاد الأوروبي لتحمّل مسؤولية تحقيق الاستقرار في منطقتيه الشرقية والجنوبية. يريد الأميركيون أن يعودوا إلى مبدأ فترة الحرب الباردة بتقاسم الأعباء، إذ إنهم يشكون من أن الأوروبيين يعتمدون اعتمادا مطلقا على الضمانات الأمنية الأميركية، بينما ينبغي أن يحشدوا المزيد من الموارد للدفاع عن أنفسهم.
مظاهر الخلاف دارت حول قضايا أمنية وسياسية وتجارية تطورت بين الجانبين، وبدأت تظهر بشكل أقوى في التعاطي مع قضايا العالم، الذي يعكس في حقيقته خلافا حول المكانة في العالم، وحول رفض القوى الأوروبية الرئيسة أسلوب الهيمنة الأميركية.
فعلى المستوى السياسي، كان الصراع في البوسنة شاهداً على ذلك، كما رفضت معظم الدول الأوروبية سياسة الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق، حيث قاوم الأوروبيون سياسة العقوبات الاقتصادية على إيران، واختلفوا مع واشنطن حول أسلوب التعامل مع كوبا، كما كانت للأوروبيين وجهات نظر مختلفة حول قضايا عملية السلام في الشرق الأوسط. واشتكى الأوروبيون من عدم حساسية الولايات المتحدة للاعتبارات والمصالح الأوروبية في هذه المنطقة، ولعوامل القرب الجغرافي لشمال أفريقيا والشرق الأوسط لأوروبا.
كما برز الخلاف على المستوى الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي، وقد ضاعف من ذلك اتجاه الاقتصاد إلى العالمية، ما أوحى بأن الطرفين يتحركان نحو صراع لا مصالحة فيه حول مصالح اقتصادية وصناعية، على خلفية أنه في بيئة العولمة يتجه التطور الطبيعي إلى التنافس الصناعي، وخصوصا في الصناعات الاستراتيجية العالية التكنولوجيا، التي يعتبرها الجانبان جوهرية للسيادة الأحادية والأمن القومي.
ومع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى البيت الأبيض، ازدادت الخلافات وتعزز التوتر بين الطرفين نتيجة سياساته الحادة، سياسيا واقتصاديا، تجاه الاتحاد الأوروبي. فمنذ توليه منصبه، يتخذ قرارا تلو الآخر بشكل أحادي. في البداية كان انسحابه من اتفاق باريس للتغيير المناخي، ثم تعمد إحداث إرباك في سياسات اقتصادية عالمية تستهدف الدول الأوروبية، وصولا لمطالبته من الأخيرة برفع حصتها في دعم حلف للناتو، وإعلانه أنه يريد خفض الإنفاق الأميركي على الدفاع عن أوروبا إذا لم تكن راغبة في المساهمة بشكل أكبر في الناتو. ولم تتوقف سياسات ترامب الهجومية ضد أوروبا عند هذا الحد، بل استمرت لتشمل فرض رسوم ضرائب على الصلب والفولاذ الأوروبي ومنتجاته من الألمنيوم، إضافة الى انتقاداته الدائمة لسياسة الهجرة التي تتبعها ألمانيا، ومديحه المتكرر لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. بعدها كان قراره نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وأخيرا انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني الذي اعتبره الأوروبيون استهدافا مباشرا للشركات الأوروبية العاملة في إيران.
وما زاد من حدة التوتر، العلاقة المستجدة بين ترامب وبوتين التي جاءت لتعمق المخاوف الأوروبية من ترجمة تصريحات ترامب، وانتقاداته عمليا في سياسات ملموسة مختلفة حيال روسيا، وثمة تخوف أوروبي عميق وحقيقي من أن تفجر مواقف ترامب السلبية الحلف الأطلسي، لأن هجمات ترامب المستمرة على المؤسسات الغربية مثل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، واستخفافه العلني بزعماء الحلف، تعكس إصراره على الانسحاب من العمل الجماعي الغربي، ونبذ المؤسسات التقليدية، والعمل على المستوى الدولي بشكل منفرد انطلاقا من مفهومه الذي يلخصه بكلمتين "أميركا أولا".
باختصار، الاختلاف بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة يتمحور حول النقاط التالية:
- الأهمية النسبية للشرق الأوسط لكل معسكر: الإدارة الأميركية الحالية لا تعتبر نزاعات المنطقة ككل أولوية سياسية، بينما أوروبا أكثر اهتماما، وذلك بسبب قرب المنطقة الجغرافي ما يجعل التهديد الناشئ عن الشرق الأوسط أكثر إلحاحا.
- إيران هي نقطة الاحتكاك الرئيسية بين الولايات المتحدة وأوروبا اليوم: أوروبا حريصة على إنقاذ الاتفاق النووي، وهو أمر تعارضه الإدارة الأميركية الحالية بقوة. في الواقع، يبدو الأوروبيون كأنهم أمام جبل من الصعوبات، خصوصا أن علامات حرب اقتصادية بدأت تلوح في الأفق بين واشنطن والعواصم الأوروبية خصوصا باريس وبرلين ولندن، وهذا يطرح التساؤل حول ما إذا كانت أوروبا قادرة على الخروج من العباءة الأميركية، والتخلي عن حليفها الاستراتيجي الذي تستند إليه كثيرا في تجارتها وأمنها الإقليمي. وما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تلفظ حلفاءها الأوروبيين وتعتبرهم غير ذوي أهمية، وأنها لا تحتاجهم أو أنها تستطيع أن تحصل على حلفاء أفضل.
يقول محللون استراتيجيون إن أوروبا لها سجل في الانصياع للقرار الأميركي، على سبيل المثال الموقف الأوروبي من غزو العراق في بدايته كان مغايرا للسلوك الأميركي، إلا أنها بعد ذلك انصاعت وأرسلت قواتها للعراق الى جانب أميركا، لذلك فإن أوروبا في نهاية المطاف سترضخ لإملاءات أميركا. وفي أغلب الظن ستصبح العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا أكثر فأكثر علاقة "مساكنة". سوف يتعاون الحلفاء القدامى على أساس المعاملات في المجالات ذات الاهتمام المشترك مثل مكافحة الإرهاب والتجارة، ودعم الاستقرار وإعادة الإعمار في العراق وفي سوريا. وإذا طورت الولايات المتحدة حلا عمليا للنزاع السوري، فيمكن لأوروبا أن تلعب دورا في تنفيذه. وإلا، فإن انتهاء الشراكة بين الطرفين.
في الواقع، لقد فشلت أوروبا حتى الآن في بناء سياسات خارجية بديلة. لكن المشكلة بالنسبة للأوروبيين أنهم يدركون أنه لا غنى لهم في الوقت الراهن، وربما في المستقبل المنظور، عن مظلة الحماية الأميركية، لأن هدف الاعتماد على النفس سيحتاج زمنا طويلا، كما سيتطلب زيادة كبيرة في إنفاقهم العسكري.
وجهات نظر الأوروبيين والأميركيين تتباعد. وفي النهاية، يبدو أن العالم الآن على مشارف حقبة أميركية جديدة سوف تؤدي الى تغييرات جيواستراتيجية لا أحد يعرف مضاعفاتها الكاملة على علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها القدامى في أوروبا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية.