أوروبا المسكونة بهاجس اللجوء والتفتت
سركيس ابو زيد
تبدو أزمة اللجوء بمثابة قنبلة تهز أركان القارة الأوروبية، في ظل تحوّل السلطة أو الكلمة الرئيسية في عدد من بلدانها لصالح الشعبويين. فالاتحاد الأوروبي يبدو عاجزا ومشلولا، وأزمة اللاجئين فضحت هذا العجز، فانقسم الأعضاء الـ 28 بين كارهين للأجانب ولكل القيم الإنسانية التي يدعي الاتحاد قيامه على أساسها من جهة، وبين مسؤولين يحاولون الحفاظ على ماء وجه هذه القيم الإنسانية لفرض سياسة أوروبية موحدة من جهة أخرى.
في الواقع، ليست هناك أزمة تشق صف الدول الـ 28 الأعضاء بالاتحاد الأوروبي كما تفعل أزمة اللاجئين حاليا وما تثيره هذه الأزمة من مخاوف. فزعماء الاتحاد الأوروبي وصلوا إلى اتفاق في شأن الهجرة بعد محادثات فوضوية استمرت حوالى 10 ساعات في قمة بروكسل التي جرت مؤخراً حول القضية الحساسة التي تهدد وحدتهم ومنطقة حرية التنقل، ووضعت المفوضية الأوروبية مسودة أولى لمشروع الاتفاق الذي نوقش في القمة، وضمنته إجراءات لتعديل نظام اللجوء من ناحية، وأخرى لمراقبة مشتركة للحدود الخارجية وتقاسم الأعباء بين الدول . هذا الاتفاق جاء وسط صعوبات إيجاد حلول لمشكلة الهجرة التي تحولت إلى أزمة سياسية داخل دول الاتحاد الأوروبي، ووسط تحذيرات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من أن مستقبل أوروبا بات على المحك في أزمة الهجرة، لافتة إلى أن "كثيراً من التحديات المرتبطة بالمسألة قد تقرر مصير الاتحاد الأوروبي".
رئيس المجلس الأوروبي، رئيس القمة دونالد تاسك، حذر من عواقب فشل الاتحاد في حماية حدوده الخارجية وإدارة تدفق الهجرة غير الشرعية. وقال وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو سالفيني :"إن الاتحاد الأوروبي يواجه مشكلة وجود، وربما يتفتت في غضون الـ 12 شهرا المقبلة". ويتزعم سالفيني حزب "الرابطة" اليميني المتطرف، ومن بين حلفائه الأوروبيين رئيس الوزراء المجري فيكتور أوروبان، وزعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لو بان وحزب "البديل من أجل ألمانيا" المناهض للاتحاد الأوروبي.
وبعد مناقشات حامية توصلت الدول الأعضاء إلى اتفاق وسط حول مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى التخفيف من حدة التوتر المتصاعد حول ملف الهجرة تتضمن إقامة مراكز داخل الاتحاد الأوروبي يُنقل إليها المهاجرون الذين يُنقذون في عرض البحر، للتفريق بين أولئك الذين يحق لهم طلب اللجوء السياسي ومن يُعرفون بالمهاجرين الاقتصاديين الذين يُعادون إلى بلدانهم، فيما يُوزع طالبو اللجوء على الدول الأوروبية التي تتطوّع لاستقبالهم. ولكل بلد أوروبي أن يقرر طوعا استضافة أحد هذه المراكز، مما يلغي نظام الحصص الإلزامية لتوزيع المهاجرين التي نص عليها اتفاق دبلن، ويرضي الدول التي ترفض استقبال أي لاجئ أو مهاجر غير شرعي. كما تم التوافق على تكليف المفوضية العليا للاجئين تفعيل فكرة إقامة مراكز الاستقبال التي يعتزم الاتحاد الأوروبي تمويلها خارج حدوده، والتحرك سريعا للنظر في هذه الفكرة بالتعاون الوثيق مع البلدان ذات الصلة، ومع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة.
رغم الارتياح في ما خص اتفاق"الالتزام الطوعي" في سياسة الهجرة الأوروبية، التي تم التوصل إليها خلال القمة الأوروبية، إلا أن الاتفاق الأوروبي يتعرض لكثير من الشكوك والانتقادات، حيث يرى المنتقدون في الاتفاق تراجعا في الالتزام بحقوق الإنسان، وأسف هؤلاء لرؤية أن سياسات أوروبا تقوم اليوم على رمي المسؤولية وليس تحمّلها حين يتعلق الأمر بالبشر. المشكلة الأخرى، في اتفاق "طواعية التنفيذ"، في ما يخص تحديد الحركة الثانوية لطالبي اللجوء بين دول الاتحاد بإنشاء "معسكرات مغلقة" .
في الحقيقية، ما يثير قلق بعض معسكر السياسة في أوروبا، أن القارة بدأت تركع أمام اكتساح الفكر الشعبوي لخلق قلعة أوروبية مغلقة. ويرى هؤلاء أن المنتصر، بفرض صيغة "التزام طوعي" .
فملف الهجرة أصبح قضية سياسية ملتهبة، لكن الأهم من ذلك أنه أصبح "حصان طروادة" للحركات الشعبوية واليمينية المتطرفة التي وجدت فيه مطية مناسبة لاقتحام حصون الأحزاب الأوروبية التقليدية، وولوج البرلمانات عبر بوابة الانتخابات وشعارات التخويف من المهاجرين القادمين لسرقة الوظائف وتهديد النسيج الاجتماعي والثقافي لأوروبا. وبالطبع لم تتردد هذه الحركات في النفخ في موجة "الإسلاموفوبيا". فماتيو سالفيني، يمثل وجه اليمين المتطرف والشعبوي الصاعد في أوروبا، وحديثه عن رابطة تجمع هذه الحركات يعكس الطموحات المتزايدة لهذه الحركات التي ترى في الأوضاع الاقتصادية المهتزة، وفي ملف الهجرة، والضغوط على الاتحاد الأوروبي، فرصة سانحة لكي تعزز من أوضاعها على حساب الأحزاب التقليدية، خصوصا وهي ترى خطابها يؤثر في مركز قيادات مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي واجهت أزمة داخل تكتلها الحاكم من وزير داخليتها الذي يطالب بتشديد قيود الهجرة لأن حزبه يواجه تهديدا انتخابيا من صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي.
هذه الأزمة هي الامتحان الأكبر لكيان الاتحاد الأوروبي منذ قيامه، وتهدد بإغراقه في بحر الخلافات حول الهجرة، ففي الداخل قوى سياسية قومية النزعة ترى في الوحدة الأوروبية خطراً على الهويات الوطينة وتسعى لاستغلال قضية الهجرة كوسيلة لترسيخ نفوذها والوصول إلى السلطة في العديد من الدول الأوروبية، الأمر الذي يهدد الاتحاد الأوروبي على المدى المنظور باحتمال خروج دول أخرى منه، اقتداء ببريطانيا .
ومن الواضح أن أزمة الهجرة نحو أوروبا لا يبدو أنها في طور النهاية، لأن هناك من لا يريد لقضية الهجرة في أوروبا أن تهدأ، فأوروبا قد تكون لديها مخاوف مشروعة من الهجرة غير الشرعية، لكن الطريقة التي تجري بها معالجة الملف الآن تهدف لحلول سريعة ووقتية بدلا من التصدي لجذور القضية بمعالجات لبؤر التوتر والحروب، ومبادرات جدية وعملية في مناطق الكوارث والفقر.