المملكة بين حقول الغام الداخل والخارج
بعد ان استلم الملك سلمان مقاليد الحكم في السعودية وفقا للعرف الدراج في المملكة بتولي ابناء عبدالعزيز السلطة الواحد تلو الآخر، اراد الملك سلمان ان ينفرد من بين اخوته ليخرج المملكة حسب تصوره الواهي مما كانت عليه ويستخدم الحزم في التعامل مع بعض دول التي لا تتفق معه ومنها ايران واليمن على امل ان يحصل اولا على وسام "شرطي المنطقة" والثاني كما يقال "لغاية في نفس يعقوب" وهنا بيت القصيد حيث اراد ان يميز الحقبة السلمانية من سبقوه من اخوته ويحصر التوريث في ابنائه بعيدا عن اخوته.
وهذا الامر كان يستدعي تحقيق بعض الانجازات والاعمال الكبيرة ليبرز اقتداره وتدبيره للحكم لكن منذ ذلك الاسود الذي استلم فيه سلمان مقاليد الحكم والمملكة تنتقل من هزيمة الى هزيمة اكبر وسط سلسلة من الفضائح والانتكاسات المتوالية.
واليوم فان المملكة وفي ظل العائلة السلمانية تسير في حقول من الالغام سواء الداخلية او الخارجية ناهيك عن التداعيات القاتلة الحاصلة من الحرب على اليمن وقبلها هزائمها في العراق وسوريا ولبنان فضيحتها الاخيرة في اغتيال الملك الاردني عبد الله. فحال المملكة اليوم في وضع لا يحسد عليه بل واكثر من ذلك يرثى له لما وصلت اليه في هذا العهد من سقوط وانحطاط اضطرت معه للكشف عن كل مكنوناتها الدنيئة ومفاسد الامراء من آل سعود في نهب المال وتبذيره وكذلك استخدام الدين حسب الاوامر الاميركية وسيلة لتحقيق مقاصدها وهذا ما كشف عنه بن سلمان في حديثه مع الـ "واشنطن بوست".
وما نستقرأه من الاوضاع الغير مستقرة في المملكة التي هي في طريقها الى الانفجار جراء الصراع المحتدم بين الامراء من آل سعود خاصة بعد استحواذ سلمان وابنائه على الحكم وتفردهم في القرار ينذر بوقوع احداث مفاجئة وغير محسوبة.
فعزوف الملك سلمان عن الاصطياف السنوي الذي اعتاد عليه كل عام في طنجة كان احد الاسباب الحقيقة لتخوفه الشديد من ترك المملكة في ظل الاوضاع القائمة لذلك فضل البقاء في جدة ليراقب الامور وهذا ما كشفت عنه صحيفة اسبانية نقلا عن مصادر مغربية لكن التوتر السعودي- المغربي الذي جاء على خلفية مطالبة بن سلمان للملك المغربي بقطع العلاقات مع قطر ورفض الاخير لذلك ليس بعيدا عن المشهد.
لكن اللغم الاكبر الذي فجر علاقات المملكة الخارجية كان مع كندا الذي جاء على خلفية مطالبة السفير الكندي بالافراج عن النشطاء السعوديين، وهو امر روتيني اعتادت على سماعه الدول العربية من الغرب، لكن السؤال المحير والمثير للتساؤل لماذا انفجرت المملكة غضبا وتعاملت بمنتهى القسوة في استخدامها للدبلوماسية المتهورة والعدوانية تجاه كندا لمجرد صدور بيان يتعلق بحقوق الانسان ولسنا هنا في وارد تاييد ذلك او نفيه.
لكن ردة الفعل السعودية الجنونية وغير المحسوبة والمفاجئة بالنسبة للغرب وضعت علامات استفهام كبيرة امام نظام استبدادي متهور ومنفلت يعتبره الغرب حليفا له واذا به يخرج عن السياقات الدبلوماسية المتعارف عليه بين كل الدول في تعاملها البيني، فلمجرد صدور بيان يتعلق بحقوق الانسان تقوم قيامة المملكة وتسحب سفيرها فورا من كندا وتطرد السفير الكندي من اراضيها وتقدم على قطع علاقاتها التجارية التي وصل التبادل التجاري بينهما الى 36 مليار دولار وكذلك وقف رحلاتها الجوية الى هذا البلد وتستدعي بعثاتها الطلابية وحتي تسحب مرضاها المساكين من المستشفيات الكندية. انها ممارسات غير مسؤولة ولا انسانية لا يستوعبها العقل الغربي وفي نفس الوقت تسبب احراجا شديدا لساسة الغرب في التعامل مع النظام السعودي.
ولاشك ان هذه الممارسات الهيسترية للملكة ازاء بيان قد فاجأ الرأي العام الغربي ونخبه وحتى الاوساط السياسية والاعلامية واثار تساؤلا مشروعا بان دولنا التي تدعي التحضر والمدنية مع اي نوع من الدول تتعامل في وقت لها افضل العلاقات مع الرياض وتدعمها حتى على حساب سمعتها ومصداقيها؟!
فخروج المملكة عن كل الاعراف والمعايير الدبلوماسية التي تتعامل بها الدول وبهذا الانفعال غير المسبوق تجاه كندا يؤكد ضعفها وهشاشة وضعها الداخلي لذلك فهي من الضعف والهوان لا تتحمل حتى ابسط الانتقادات لها لكن وهم المملكة الاكبر ومحاسباتها الخاطئة قادتها لتتصور ان كندا الحلقة الاضعف في هذه الدائرة لوقف سيل الانتقادات القادمة وان اميركا لما تربطها بعلاقات استراتيجية معها وهكذا مع بعض الدول الغربية ستشفع لها للوقوف الى جانبها لكن حساب البيدر هذه المرة جاء غير متطابق مع حساب الحقل وسرعان ما صدمت الرياض حيث اعربت كل من اميركا وبريطانيا والمانيا عن نفس الموقف الكندي تجاه النشطاء السعوديين لكن الرياض التي تعرف وزنها وحجمها لن تتجرأ حتى ان تصدر بيانا للرد على هذه الدول فكيف بها ان تتخذ اي اجراء عملي لان هذه الدول ليست كندا كما اسلفنا.