حنكة ايران بتخطيها الحظر
ايران وعشية بدء تنفيذ الحظر الاميركي عليها والذي هو على مرحلتين اتخذت سلسلة من الاجراءات الضرورية التي تمثلت بالحزمة الاقتصادية التي صادقت عليها الحكومة لمواجهة الحظر الاميركي الجديد والتغلب عليه عبر تخصيصها العملة الصعبة وبسعرها الرسمي لاستيراد السلع الضرورية والاساسية كالادوية والمحاصيل الزراعية والبذور والمواد الخام للحفاظ على سعر السوق والقوة الشرائية لابناء الشعب، اما المنظومة الثانية فهي تخصيص العملة الصعبة لغير السلع الاساسية كقطاعي الصناعة والزراعة وقطع غيار السيارات وغيرها وهذا سيكون سعره عائما ويحدد من قبل المصدرين والمستوردين للسلع غير النفطية وفقا للعرض والطلب. فالشق الاول من الحظر الذي اعلنه الرئيس ترامب قد بدء سريانه منذ امس الاثنين والذي يشمل التعامل بالدولار وقطاع السيارات وبيع الطائرات، اما الشق الثاني من الحظر الذي يشمل المبيعات النفطية سيبدأ في تشرين الثاني القادم.
طهران الخبيرة في مواجهة العقوبات وافشالها وهذا ما ثبت عمليا طيلة العقود الاربعة الماضية وبالطبع لم يكن هذا شعارا، استبقت الحظر الاميركي الجديد بالحزمة الاقتصادية التي تضع حدا لضخ العملة الصعبة في السوق السوداء ومنع تهريبها الى الخارج من خلال ايجاد منظومتين لتبادل العملة الصعبة والاشراف عليهما وهذا ما اشرنا اليه سلفا.
طهران وبحزمتها الاقتصادية الجديدة التي اعلن عنها محافظ البنك المركزي الجديد والتي من المقرر ان تطبق من اليوم الثلاثاء، قد سددت ضربتها الاولى للعملة الصعبة مع بدء سريان الشق الاول من الحظر الاميركي حيث شهدت هذه العملة انخفاضا امام الريال الايراني املا بان يستمر هذا الوضع في الايام القادمة.
الاستراتيجية الجديدة التي وضعتها ايران عبر حزمتها الاقتصادية لمواجهة الحظر الجديد قد تنقل ايران من موقف الدفاع في الحرب الاقتصادية الى الهجوم لما تمتلكه من بنية اقتصادية قوية وموارد هائلة اضافة الى طاقاتها الانسانية الخلاقة والمبدعة تجعلها ان تتجاوز هذه المرحلة باقل التكاليف. ولاشك ولا ريب ان الهدف من الحزمة الاقتصادية الجديدة هو ايضا سد الثغرات التي يحاول الاعداء التسلسل اليها للاضرار بالاقتصاد الايراني. وكذلك معالجة بعض الاشكالات التي واجهت الاقتصاد خلال الفترة الاخيرة نتيجة للضغوط الاميركية، لكن ليعلم الجميع ان البنية الاقتصادية الايرانية قوية بما تمتلكه من مقومات تعزز مقاومتها امام مثل هذه الضغوط والعقوبات ولو لا ذلك لما استطاعت ان تمتص زخم العقوبات التي فرضت عليها طيلة العقود الاربعة الماضية وكانت الاشد ضراوة وقسوة في عهد اوباما والتي اعلنت عنها هيلاري كلنتون بانها ستشل الاقتصاد الايراني تماما ومع ان ايران يومها لم تكن تبيع اكثر من مليون برميل نفط يوميا ولم تستلم مبيعاتها فضلا ان الحظر عليها كان دوليا وليس كاليوم ينحصر باميركا.
وما توفرة ايران من العملة الصعبة من مبيعاتها النفطية تتجاوز اليوم الخمسين مليار دولار في وقت انها تستورد فقط عشرين مليار دولار منها للسلع الاساسية وفي الوقت نفسه انها تصدر 45 مليار دولار من السلع غير النفطية في مقابل استيرادها لـ 30 مليار دولار من السلع غير الاساسية، وهذا يجعلها في موقع متقدم ويظهر بشكل جلي فائضها التجاري الذي يقوي من مقاومتها لاي حظر يفرض عليها.
والامر الاخر واللافت الذي اصطدم به الرئيس ترامب وهو يتبجح بانه سيصفر الصادرات النفطية الايرانية، كان جدار الصين العظيم حيث اعلنت بكين انها غير معنية بالخطر الاميركي وانها تستمر في شرائها للنفط الايراني وهكذا اعلنت الهند وتركيا وجاءت باكستان لتلتحق بهذه القائمة ووفقا لهذه المشتريات ولن يبقى من مبيعاتها النفطية سوى 15 بالمئة فقط وهذا لايضر بها كثيرا ولا ننسى انها هي العارفة والخبيرة بكيفية تسويق هذه الكمية من خلال الاسواق الثانوية.