ميدفيدييف يهدد: أوروبا ستدفع ثمن العقوبات
جورج حداد
القسم الثاني و الاخير
أخيراً، فإنّ ظروف المواجهة تمنع اميركا من التخطيط لضربةٍ محدودة أو احتوائية، تُعجز إيران عن الردّ، كما كتب سيمور هيرش في تحقيقٍ عن الموضوع منذ سنوات، اكتشف العسكريون الاميركيون أنّ حصر الحرب ضدّ إيران - كما جرى مع العراق عام 1991 - مستحيل. لا يمكن ضرب المواقع النووية الايرانية من دون تأمين القواعد الجوية في المنطقة، وهذا يستلزم ضرب منصات الصواريخ الايرانية، ولا يمكن تنفيذ ذلك بينما الخليج الفارسي يعجّ بالصواريخ المضادة للسفن... هكذا، رويداً رويداً، بدأت أهداف الحملة الأميركية بالاتّساع لتتضمن غزواً للسواحل الايرانية وتدميراً لعدد كبير من المنشآت العسكرية في البلد، فتحوّلت الحملة الجوية الخاطفة الى خطّة حربٍ شاملة بمئات وآلاف الأهداف، حتى وصل الجنرالات الاميركيون الى التفكير جدياً في استعمال القنابل النووية التكتيكية لاخماد دفاعات إيران، بحسب مصادر سيمور هيرش.
هكذا، تصير الحرب ضدّ إيران رهاناً خطيراً، وبعض الباحثين الاميركيين (خصوصاً اولئك القريبون من اسرائيل) حاولوا تشجيع الحكومة الاميركية على ضرب ايران، مؤكّدين أنّ الدفاعات الايرانية لن تشكّل خطراً على الاسطول الاميركي المتفوّق، ولكنّ أية دولة في العالم لن تغامر بحربٍ حين يكون ثمن الخطأ وسوء التقدير فيها اغراق حاملات طائرات، أو تدمير قواعدٍ تحوي آلاف الجنود الأميركيين، فارتفاع كلفة الرهان يسبب التردد. كلّ تأجيلٍ للحرب على ايران أدّى الى زيادة صعوبتها وتعقيدها، فضرب ايران عام 2004 كان أسهل من ضربها عام 2007، وحربٌ ضدّ ايران عام 2007 لا تُقارن بحربٍ قد تجري اليوم، بعد أن طوّرت ايران أسلحة وقدرات جديدة، وعملت خطوط انتاجها لسنوات على انتاج ومراكمة الصواريخ، التي يزداد مفعولها ودقتها مع كلّ سنة (في الأعوام الأخيرة، صار الايرانيون يستبدلون الرؤوس الحربية القديمة في صواريخ "شهاب 3”، مثلاً، برؤوس جديدة أكثر دقّة وفاعلية). من هنا كان الاسرائيليون يستعجلون الأميركيين لضرب إيران، محاججين بأنّ كلّ تأخير للمواجهة سيزيد من صعوبتها وتعقيدها، الى أن تصير غير ممكنة - والإيرانيون بدأوا بعرض الصواريخ الجوالة التي يصممونها، وهي كالتطورات السابقة، ستدخل عنصراً جديداً يغيّر المعادلة بأكملها ما أن تصير في الخدمة.
مثالٌ عن تحضيرات إيران: كشف طائرات "الشبح”
بإمكان دول العالم الثالث أن تشتري أفضل تكنولوجيا يصنعها الغرب أو روسيا، وهي لن تُقلق اميركا بمقدار رادارٍ (أقلّ كفاءة) ينتجه البلد بقدراته الذاتية، فكلّ الأنظمة التي تُصدّر معروفة المواصفات والمزايا، والوسائط الالكترونية على متن الطائرات مبرمجة مسبقاً لرصد موجات الرادار المعادي وتقليدها والتشويش عليها. ما يخيف الجيش الغازي هي الأمور التي لا يتوقّعها، والرادار الذي لا يعرف بوجوده، والوسائط الدفاعية التي لا يتحضّر لها. في الحرب الحديثة، بإمكان بطارية دفاع جوي، لو عملت بحرية، أن تسقط سرباً كاملاً في دقائق، والعروض العسكرية الإيرانية تلعب دائماً على فكرة التخويف من المجهول وعرض أنظمة مختلفة ومتنوّعة - وان كانت تؤدي المهمة ذاتها.
تكنولوجيا الخفاء مثالٌ واضح على كيفية الاستثمار العسكري في إيران. تمكّنت اميركا، عبر حروب عدّة، من تحويل طائرات "الشبح” الى عامل تفوّقٍ نوعي لا رادّ له، فقامت طائرات "اف 117” (النموذج الأول لطائرات التخفي) بضرب الرادارات العراقية في الغارات التي أطلقت حرب الخليج الفارسي الثانية، ولعبت الطائرات نفسها - اضافة الى قاذفات "بي 2” - دوراً محورياً في حملات يوغوسلافيا والعراق 2003، من جهةٍ اخرى، جرى تطوير وسائل تكنولوجية عدّة لإبطال ميزة الخفاء، وايران ركّزت بحوثها وتصنيعها في هذه المجالات تحديداً.
الوسيلة الأولى تتعلّق بنوع الرادار: اكتشف الروس سريعاً أنّ تصميم طائرات الشبح مخصّصٌ لتلافي نوع محدّد من الرادارات، هي الرادارات عالية التردد ذات الموجة الرفيعة (اكس-باند)، وهي التي تستعمل على متن الطائرات المعادية وفي رادارات توجيه الصواريخ، هذا التردّد ينتج شعاعاً رادارياً "ضيّقاً”، عرضه بالسنتيمترات، وهو مثاليّ لكشف الأهداف بدقّة ولتوجيه الذخائر.
فبدأ الروس بالبناء على تقنية الموجات العريضة (ك-باند والـ -باند وفي اتش اف - والأخيرة "موجة مترية”، أي أن عرضها يفوق المتر) التي يستعملها الروس منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكنّ عيبها كان في نقص الدقّة وعدم امكانية استخدامها للتوجيه (كلّما عرضت الموجة تشتّت على المسافات البعيدة، وأعطت احداثيات غير دقيقة عن الهدف). ميزة الموجة العريضة هي أنّ حجمها الكبير يجعل تصميم طائرة الشبح من دون فائدة، فأسطح الطائرة مخصّصة لتشتيت وحرف وامتصاص الموجات السنتيمترية الصغيرة، ولكنّها لن تمنع شعاعاً عريضاً من الارتداد الى المصدر وكشف الهدف.
حين أُسقطت طائرة "اف-117” فوق يوغوسلافيا، عزا العديد من الخبراء الأمر الى استعمال اليوغوسلاف رادارات روسية قديمة (الـ-باند - وهي موجة ديسيمترية) في نظام "سام 3” الذي أسقط الطائرة. بعد حرب يوغوسلافيا، ذهب الرّوس خطوةً أبعد في تطوير جيلٍ جديد من الرادارات المترية الحديثة تُقارن دقّتها برادارات التردّد العالي، وصار هذا النظام يدمج في كلّ بطارية "اس 300” تشغّلها روسيا. ايران أظهرت، منذ سنوات، أشكالاً مختلفة من رادارات الموجة العريضة، أشهرها "مطلع الفجر 1” و”مطلع الفجر 2”، والأخير يشبه الى حدٍّ بعيد رادار "النيبو” الروسي الذي يعتبر "كاشف الخفاء” في بطاريات "اس-400”.
ويدّعي جنرالات إيرانيون أنّ هذه الرادارات أضحت منتشرة الى درجة تغطية المجال الجوي الإيراني بشكلٍ شبه كامل.
التيار الثاني في محاربة تقنيات الخفاء يدعو الى اعتماد المعدّات البصرية بدلاً من الرادار، فمع تطوّر الكاميرات الحرارية الحديثة، اكتشف الطيارون أنّها تمثّل بديلاً ممتازاً من الرادار في الكثير من الحالات، فهي وسيلة رصد هامدة (لا يعرف العدوّ انّها تلاحقه)، وقد اختبر الروس، منذ الثمانينيات، أنّ الكاميرات الحديثة أضحت قادرة على رصد القاذفات الأميركية من مسافاتٍ بعيدة - تفوق الـ90 كيلومتر - من دون الحاجة الى تشغيل الرادار، خصوصاً على الارتفاعات العالية حيث يكون الفارق الحراري كبيراً بين الطائرة والجو البارد المحيط بها. لا توجد دولة في العالم اليوم تعتمد الأنظمة البصرية كإيران، فهي تدمجها بمختلف أنظمة الدفاع الجوي، وتطوّر باستمرار أنظمةً جديدة وخفيفة، قادرة على التقاط الأهداف وتوجيه الصواريخ والمدافع الرشاشة (وهنا ابتكارٌ ايرانيّ آخر، اذ إنّ المؤسسة الدفاعية انتبهت الى أنّ المدفعية المضادة للطائرات، التي اعتبر الكثيرون أنّ زمنها قد ولّى، بإمكانها أن تصير بالغة الفعالية اذا ما أوصلت برادار حديث وعملت ضمن مجموعة، باستعمال برامج كمبيوترية تقدر على توجيه الموجة النارية وتشكيلها بدقّة بحيث تصنع "حائطاً” - أو، بالأحرى، مربّعاً - من الشظايا في السماء حول الهدف، فتصبح هذه الوسائط مثالية لإسقاط الصواريخ الجوالة وطائرات الاستطلاع وحماية النقاط الحساسة).
خاتمة
بنت إيران قدرتها الردعية على تجنّب منافسة اميركا في مضمارها، فهي تعرف سلفاً انّها لن تتمكن يوماً من مواجهة قوة غربية في الجوّ أو في البحر، ومن هنا انبثقت تقنيات الحرب اللامتكافئة التي ترمي الى استغلال الثغرات وضرب العدوّ بوسائل غير تقليديّة، كالصواريخ مثلاً. انهمكت اميركا، منذ سنوات، في تطوير وسائط دفاعية في محاولة للوقاية من صواريخ روسيا والصين وكوريا وايران، لكنّ تقريراً نشرأخيراً في مجلة "الايكونوميست” يشرح صعوبة هذا الهدف. الولايات المتحدة ملأت العالم ضجيجاً بأخبار "الدرع الصاروخية”، ولكن قلة من الناس تعلم أنّ برنامج GMD، الذي كلّف أكثر من 40 مليار دولار، قد فشل في كلّ التجارب الاعتراضية الخمس التي أجريت على النظام منذ عام 2008. تقول الـ”ايكونوميست” أنّ حوالى الـ100 مليار دولار انفقت في العقد الأخير على برامج مماثلة لم تقرّب اميركا من الغاء خطر الصواريخ، بل أثبتت أنّ الهدف بحدّ ذاته قد يكون مستحيلاً - وهي الخلاصة التي عبّر عنها العديد من الجنرلات الاميركيين الذين عملوا في هذا الميدان. المسألة لا تقتصر على الصعوبة التقنية (اعتراض رأس حربي - أو رؤوس متعددة - بحجم خزانة صغيرة يسبح في الفضاء بسرعة ماخ-8 وما فوق)، بل هي مرتبطة ايضاً بسهولة تضليل الأنظمة الدفاعية المعقّدة بوسائل بسيطة، فالصواريخ الروسية مصممة اليوم كي تطلق عشرات الأهداف الوهمية حين ينفصل الرأس الحربي عنها في الفضاء الخارجي، كلها تماثله في الحجم وتسير بالسّرعة نفسها، ما يجعل التمييز شبه مستحيل، وكلّما طوّرت اميركا وسائل اعتراض جديدة، تطلق روسيا اجراءات مضادة تلغي مفعولها.
هذا النقاش العسكري والتقني يمثّل "البنية التحتية” لتطوّر العلاقات بين إيران والغرب، وهو ما يحدّد، إلى درجة كبيرة، ديناميات المواجهة والعقوبات، والحوار والتوافق، والتنافس والصفقات؛ ومن يجهل هذه الخلفية يصير من السهل عليه تصديق نظريات المؤامرة التبسيطية والسرديات عن "اللعبة” التي يلعبها الإيرانيون والأميركيون في الكواليس، بينما يتظاهرون بالعداء في العلن، والهدف – بالطبع - هو خداعنا نحن العرب!
نظراً الى حجم الاقتصاد الاميركي وقدراته التكنولوجية الهائلة، لا يمكن لأحدٍ في العالم أن يخيف اميركا بحجم جيشه أو عبر بناء أساطيل جوية وبحرية على النمط الاميركي، ما يخيف اميركا هي الجيوش التي تملك خبرةً قتالية، والتي لها عقيدة خاصّة بها، تستفيد من الميزات المحلية والجغرافية، وتصمّم نمطها القتالي خارج الاطار الغربي التقليدي. في هذا المجال، يمكن لنا أن نتعلّم الكثير من تجربة إيران.