kayhan.ir

رمز الخبر: 7496
تأريخ النشر : 2014September23 - 20:23

تركيا : تسهيل دخول داعش وحلم تحقيق المنطقة العازلة

حسين مرتضى

"تأكيد النفي إثبات بحد ذاته” مقولة تنطبق على السياسة التركية في المنطقة، ونفيها الدائم لعلاقتها الابوية بمسلحي "داعش”، لكن هذه المرة خطوة تصعيدية جديدة ومشتركة بين المخابرات التركية و”داعش”، في شمال سورية، في سلوك يدعمه الاتراك منذ بداية الحرب على سورية، والهدف منه الاستمرار في استنزاف البلد، وبالذات بعد القرار الامريكي باستهداف مواقع "داعش”، ما سرّع بهذه المعركة، التي لا يخفى على أحد أهميتها بالنسبة للتركي قبل مسلحي” داعش”.

الهجوم على منطقة عين عرب ليس الاول، ولكنه الاكبر والاعنف منذ دخول "داعش” الى مدينة الموصل في العراق، حيث استطاع مقاتلو وحدات حماية الشعب التصدي لعدة هجمات شنتها مجموعات "داعش” منذ تموز الماضي، إلا أن هذا الهجوم الذي بدأ منذ الخامس عشر من الشهر الجاري، كان مختلفاً كونه يشن من المحاور الشرقية في قرى كورك، والعيدانية، وبغديك، ومتين، والجهة الغربية في قرى دكرمان، وبوراز، وزيريك، وتعلك، وجب الفرج، والجهة الجنوبية في بلدات قومجه، وقل حيدة، وجعده، و كون عفتار، استخدمت فيه "داعش” 40 دبابة، وأكثر من ثلاثين راجمة للصواريخ، والمئات من قذائف الهاون، وأكثر من 300 سيارة عسكرية، بالاضافة الى اسلوبها المعتاد بالهجوم بموجات بشرية كبيرة، ومعظم مقاتليها من الاجانب، حيث سجل مقتل عدد كبير من قادتها في تلك المعارك.

لم تسمح السلطات التركية بدخول اعداد كبيرة من النازحين في ظل كارثة انسانية حقيقية تشهدها المنطقة، بعد نزوح عدد كبير من اهالي القرى التي دخلتها "داعش”. هذا المنع اعتبره الكثير من المراقبين احد اوجه التدخل التركي في المعركة الدائرة هناك، والذي يبدأ من الرفض التركي الواضح والعلني، لنشوء أي قوة كردية في شمال سورية، لذلك انطلق التدخل والتنسيق الواضح والعلني بين الاتراك و”داعش” منذ معارك رأس العين وتل أبيض، حيث دخلت المجموعات المسلحة من داخل الأراضي التركية وسط قصف مدفعي تركي لوحدات حماية الشعب الكردية التي أسرت أشخاصاً كانوا يحملون الجنسية التركية ويحاربون في صفوف "النصرة” و”داعش”. وجاء الحديث في هذا الوقت عن الضربات الامريكية المحتملة لمواقع "داعش” في سوريا والعراق، ما يعني أن المنطقة تتجه نحو التصعيد، ما دفع التركي المتمرد على الاتفاق الخليجي الامريكي، الى إشعال جبهة عين عرب، بعد شهرين من معارك الكر والفر، ما يعني أن التركي يسعى بكامل جهده الى القفز على مقررات مؤتمري جدة وباريس بشأن العمليات العسكرية ضد "داعش”، ضمن رفض واضح للمشاركة الخليجية للقرار الامريكي بهذا الشأن. هذا الاتفاق الامريكي السعودي أثار مخاوف الاتراك لأنهم يعتبرون وجود "داعش” حيوياً لإشغال الإيراني وإضعاف حليفيه في دمشق وبغداد التي تمر علاقة تركيا معها بظروف سيئة. فكان القرار التركي باختيار منطقة الشمال السوري كونها منطقة ارتكاز وعمق لمسلحي "داعش” في العراق، ما يخلط الاوراق مجدداً في المنطقة، لذلك دفعت المخابرات التركية بشكل علني مسحلي "داعش” لدخول منطقة عين عرب لعدة أسباب كان أهمها فصل المناطق الكردية في الشمال الشرقي عن الشمال الغربي، ما يضعف وجود الاكراد، وتحضير الجميع لاعلان منطقة عازلة يشرف عليها الاتراك في شمال سورية، على غرار ما يسعى له الكيان الصهيوني في جنوب سوريا، بعد دخول "جبهة النصرة” لأغلب المناطق المحاذية للشريط المحتل من الجولان السوري. بالاضافة الى دخول مسلحي "داعش” الى كل القرى التي تقع على حوض الفرات والسيطرة على سدوده جميعها في العراق وسوريا، ومن ثم الاتجاه نحو عين عرب والتي تعني النقطة الجغرافية المحورية بين منطقة الجزيرة السورية في شرق البلاد والمناطق الغربية باتجاه حلب وادلب، ما يعني أن اليد الطولى للاتراك ستكون على جميع محاور الجزيرة السورية، بالاضافة الى وسط البلاد، وصولاً لريف حمص، وارتباط ذلك مع حلم الاتراك في منطقة الموصل العراقية، ما سيمنح الاتراك القدرة على التحكم بمنابع النفط بالإضافة الى الموارد المائية.

التعاون التركي مع "داعش” لم يكن وليد الظرف الراهن، فقد أكدت مصادر تركية أن حزب أردوغان اعطى الاوامر للضباط بتوفير كل وسائل الراحة لاتباع "داعش” حتى بعد اختطافهم لمجموعة من الأتراك أثناء سيطرتهم على الموصل. وقالت المعلومات : "إن داعش تعبر بكل سهولة بين المحافظات التركية الحدودية مع سوريا فيما أوضحت المصادر الأمنية أن "داعش” تجري الكثير من عملياتها بالمحافظات التركية الحدودية مع سوريا بينما تكون قوات الأمن التركية على علم بهذه العمليات دون أن تحرك ساكناً كما أن مطارات أسطنبول وغازي عنتاب وهاتاي جميعها تعتبر نقاط عبور مهمة للمسلحين القادمين من الخارج، وأن التنظيم يمتلك مكتباً غير رسمي فى مدينة اسطنبول وتنظّم من خلاله عمليات دعم وإمداد الجماعة فى سوريا والعراق بالعناصر الأجنبية، وأن هناك نحو 2000 شاب أوروبى انضموا إلى صفوف "داعش” خلال الأشهر الماضية وذلك بعد قدومهم إلى اسطنبول، ومنها إلى مدينة آنطاليا التركية المطلة على البحر المتوسط بحجة السياحة وهناك يتولى مسؤولو المكتب مهمة نقلهم إلى داخل الحدود السورية والعراقية. وهناك كذلك معسكراً لتنظيم "داعش” في مدينة غازى عنتاب بجنوبي تركيا لتدريب أعضاء التنظيم ونقلهم فيما بعد إلى سوريا والعراق للقتال، وبالتالي فإن تركيا تعد أكبر سوق لتنظيم "داعش” الإرهابي.

وزيادة في تأكيد دعم أردوغان وحكومته لمسلحي "داعش” وتواصله الدائم معهم، تم الإفراج بعد معركة عين عرب عن 49 رهينة تركي أسرهم مقاتلو "داعش” في شمال العراق في حزيران الماضي من قنصلية تركيا في الموصل بالعراق وهو ما يؤكد تواصل الحكومة التركية مع هذه الجماعات وعلاقتها الوثيقة فيها. وذكرت مصادر مطلعة أن هذا الافراج كان له ثمن علني وهو تسهيل معارك "داعش” باتجاه عين عرب بالاضافة إلى الافراج عن القيادي البارز في "داعش” وهو شندريم رمضاني، وهو شيشاني الجنسية يحمل جواز سفر سويسريا، كان قد اعتقل بعد اشتباكات دارت بينه وبين القوات التركية في أضنة التركية بُعيد عودته من الأراضي السورية، قتل فيها الشيشاني 3 رجال أمن أتراك. وشندريم رمضاني هو واحد من أربعة معتقلين طالبت "داعش” باطلاق سراحهم.

حفيد السلاجقة والعثمانيين والإخوان؛ سلطان الدواعش

ناهض حتر

"داعش” يطلق سراح ضيوفه من الدبلوماسيين الأتراك جراء "جهود دبلوماسية”! بينما يواصل هجومه الإجرامي، المدعوم من الجيش التركي، بهدف احتلال، بل مهابدة بلدة "عين عرب” الكردية. وفي الأثناء، يفجّر كنيسة شهداء الأرمن التاريخية في دير الزور، ويمهّد الأرض لإقامة منطقة عازلة داخل سوريا، وتحطيم الحلم الكردي بالحكم الذاتي، واقتطاع المزيد من الأراضي العربية في سوريا والعراق، تجديداً لأطماع قديمة.

(أليس من دواعي السؤال، لدى "حماس” تحديداً، التزامن بين منطقة عازلة تركية، بالتعاون مع "داعش”، شمال سوريا، ومنطقة عازلة إسرائيلية بالتعاون مع "جبهة النصرة”، في الجولان؟).

أنقرة الإخوانية هي الحليف الرقم واحد لـ "داعش”، بسبب الارتباطات العقائدية والاستخبارية والعسكرية العضوية معه، كما أنه أداتها الأساسية لتحقيق أهدافها الجيوسياسية في كردستان والمشرق العربي، والاستراتيجية في مواجهة إيران ومصر والسعودية.

على مشارف 2011، كانت صورة "حزب العدالة والتنمية”، لدى المجتمعات العربية، قد اكتملت بوصفه حزباً اسلامياً ليبرالياً، صديقاً للعرب، وحليفاً لسوريا، ونصيراً للقضية الفلسطينية. هكذا، انقلبت، أيضاً، صورة تركيا من دولة معادية للعروبة إلى عمق استراتيجي لها. الصورة الزاهية انعكست على أحزاب "الإخوان” في كل مكان، وصار احتمال تحوّلهم إلى الطريق التركي مطروحاً بجدية. هكذا، أصبحوا، تلقائياً، قوة مقبولة من كل أطراف التحركات الشعبية، وقوّة قيادية في "ثورات ديموقراطية”. وبما أن ما يسمى "الربيع العربي” تمحور حول التغيير السياسي أساساً، لم تتوقف أغلبية اليساريين عند محتوى اللبرلة الاخوانية، في مثالها التركي، الذي يعتمد أيديولوجيا النيوليبرالية: الخصخصة وحرية السوق والعولمة الرأسمالية المتوحشة وسيطرة رجال الأعمال والشركات والفساد على البلاد. كذلك، لم ينتبه معظم النشطاء الوطنيين في العالم العربي إلى أن تركيا الاخوانية، لا تزال عضواً في حلف الناتو، وحليفاً عضوياً لإسرائيل.

الصورة التركية ـــ الاخوانية، المشبعة بالألوان الليبرالية، أضاعت بوصلة الحركات الشعبية، حتى بالنسبة للموقف من العدو الإسرائيلي. أولوية الصراع ضد الاستبداد طغت على وعي عام مشوّه بمزيج من النزعات الدينية والليبرالية الاقتصادية، والإيمان بالقطب الأميركي ــــ الغربي الأوحد. على ذلك، أدار الإخوان المشهد العربي، ومَنحوا الغطاء اللازم لقيام الناتو والميليشيات الإرهابية بتحطيم الدولة الليبية، وأدار اخوان تركيا تشكيل ودعم وتسليح الميليشيات الإرهابية لـ "الثورة السورية”، ومنحها طابعاً طائفياً. كان كل ذلك مقبولاً! ولم يمنع أقساماً واسعة من الجماهير المصرية والتونسية واليمنية والمغربية من تصعيد "الإخوان” إلى السلطة، بينما نالت "حماس”، المنسحبة من محور المقاومة، تأييداً شعبياً كاسحاً بين الفلسطينيين في فلسطين والأردن وسوريا ولبنان.

الصعود الإخواني أثار موجة طائفية عامة، وخصوصاً في المشرق العربي المكتظ بالمكوّنات الطائفية والمذهبية والإتنية. وقد ساهمت هذه الموجة في شيوع التسامح إزاء العلاقات بين قوى الاسلام السياسي والغرب، والقبول بالمتطرفين والتكفيريين الإرهابيين. هؤلاء خرجوا، بالأساس، من عباءة "الإخوان”، ولم تخلُ هيئة قيادية اخوانية واحدة من أعضاء مقربين من "القاعدة” وسواها من التنظيمات الإرهابية. وفي خضم الموجة الطائفية والتمويل القطري والدعم التركي، تداخلت قوى الإسلام السياسي، التقليدية والعُلمائية والليبرالية والاخوانية والإرهابية؛ وفي المنافسة الدموية على الهيمنة والقيادة، فازت "داعش”، لأنها تشكّل الممثل الأكثر جوهرية وصلابة للأيديولوجيا الفعلية لحركة الإخوان في منحاها القُطبي؛ غير أن صاحب الكتاب الفاشي "معالم على الطريق”، سيد قطب، هو، في النهاية، النتاج الصريح لمدرسة حسن البنّا الذي، وراء قناع الدعوة والسياسة، كان يخبّئ تنظيماً إرهابياً معروفاً هو "التنظيم الخاص”.

في أحضان حزب العدالة والتنمية التركي، اليوم، تصطف قيادات "داعش” وقيادات التنظيم الدولي للإخوان، معاً، في بلاط السلطان رجب أردوغان، يستخدم هؤلاء وهؤلاء، ويواصل قيادة الحروب الطائفية خارج تركيا وداخلها؛ إنه، بالفعل، الحفيد المعاصر للسلاجقة والعثمانيين، أولئك الذين حوّلوا العرب والكرد إلى مجرد طائفة يحكمها الترك، مستخدمين في بناء "الدولة”، ميليشيات هي السلف التاريخي للدواعش.

...كيف، إذاً، ستحارب الولايات المتحدة، "داعش”، حليف شريكها التركي في الناتو، والابن المدلل للتمويل الآتي من الخليج الفارسي، حيث المستعمرات الأميركية؟

يمكننا أن نسخر حقا؛ ولكن علينا أن نستعدّ.