kayhan.ir

رمز الخبر: 73598
تأريخ النشر : 2018April03 - 18:54

العراق بين منهجي الامتناع والانفتاح



إبراهيم العبادي

على وقع السباق الانتخابي في العراق، تشهد الساحة السياسية لاسيما في الأوساط الشيعية التي تشكل الأكثرية السكانية والتي ستأتي منها الكتلة البرلمانية الأكبر، تجاذبا في المواقف بين مؤيد ومتحمس لسياسة الانفتاح على الجيران والنأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية، وبين رافض لهذه السياسة وداعيا إلى التمسك بموقف راديكالي من كل القوى والأنظمة والحكومات التي كان لها موقف متفرج علنا على ما حصل من إرهاب وعنف وتدمير قادته القوى المتطرفة من سلفية تكفيرية إلى بعثية قومية. الرافضون لسياسة التطبيع هذه محسوبون على جماعات وفصائل تبدو في مواقفها الأقرب إلى محور المقاومة والممانعة الذي تقوده إيران الإسلامية، وهم مصنفون على لائحة القوى التي تعارض الوجود الأمريكي في العراق وتحذر وتهدد بالصدام مع هذا الوجود وتعتبر السعودية وبعض بلدان الخليج ضمن هذا المحور الذي ساهم - برأيها في دعم التنظيمات الإرهابية بشكل غير مباشر عندما غضت النظر عن التحريض والفتاوى والدعم المالي الذي تدفق على تلك التنظيمات وكانت تطمح من ورائه إلى إسقاط التجربة السياسية الجديدة في العراق والتي صنفوها مسبقا بان قادتها من الأكثرية الشيعية وإنها ضمن الهلال الشيعي الذي سيشكل تهديدا لأمن ووجود الأنظمة العربية السنية. القوى الرافضة لم تزل تذكر عبر منابرها السياسية والإعلامية ومنصات تواصلها الاجتماعي وجمهورها بان الانفتاح لن يجدي بدون اعتذارات من الآخرين على مواقفهم السابقة وتعديل في تلك المواقف والسياسات بشكل جذري، والتوقف عن اتهام قوى شعبية عراقية ساهمت في التصدي العسكري لداعش وتحقق للعراق نصر عسكري كبير، زاد من الثقة بأهمية ومحورية الدور العراقي في المنطقة ورفع أرصدة العراق على الصعيدين الإقليمي والعالمي. لكن هذه القوى والفصائل العراقية المصنفة بأنها متماهية مع السياسة الإيرانية تراهن على حضورها السياسي والانتخابي كثيرا لتأكيد مشروعية هذه المواقف وشعبيتها في مقابل الآخرين الداعين إلى بناء سياسات عراقية تحافظ على دور مستقل وترفض الانخراط في أي محور وتريد الإفادة من الانفتاح المتبادل للمحافظة على توازنات داخلية وخارجية تؤمن مصالح العراق وتعزز موقفه الأمني والسياسي وتوظف الإدراك المتأخر للقيمة الجيوستراتيجية للعراق لبناء الدولة العراقية وتجاوز حالة الهشاشة الأمنية والسياسية والضعف الاقتصادي ليكون العراق في مركز قوة يستطيع فيها درء آثار الاضطراب الإقليمي عن نفسه والتصدي لجماعات الإرهاب التي وجدت فيه خاصرة رخوة لتمارس فيه منهج التوحش ولتسوق منهج التخويف من (خطر) شيعة العراق على جيرانهم ليحصد العراق موقفا عدائيا وصورة قاتمة احتاج لسنوات وجهود ليبددها ويثبت للآخرين خطأ تصوراتهم وحساباتهم. العراق محتاج إلى تفهم الأشقاء والجيران ليحافظ على توازنه الداخلي وليعزز استقراره السياسي وبدون انفتاح متبادل سيكون عرضة لمشاريع الآخرين واستراتيجياتهم في ظل تدخلات ناعمة وتصنيفات متصلبة ومحاور متصارعة. غير إن وجهة النظر هذه لا تلقى أذانا صاغية لدى البعض داخليا وتعتبر إن قوة العراق الذاتية والتعبئة الإيديولوجية التي تعيشها بعض فئاته، ودعم الحلفاء والأصدقاء من خارج المحور الأمريكي - العربي كفيلة بإرغام الآخرين على التعامل مع العراق من موقع الند ومنع التدخل في شؤونه، ونسي هذا الفريق إن هذا المنهج (الثوري) يبيح للآخرين التدخل الخفي والمعلن ويدخل العراق في دوامة صراع لا ينتهي ولا يحقق الأهداف التي يريدها كافة العراقيين وليس أهداف شطر منهم. لقد حتمت الجغرافيا والتكوين الاجتماعي والسكاني وتداخل المخاطر والتهديدات والضعف البنيوي، مصفوفة محددات للسياسة الخارجية وفرضت أولويات ووظائف أساسية لا مناص من سلوكها ليتجنب العراق مشكلات تهدد وجوده، مضافا إلى إن سياسة (الحياد الايجابي) هي الأنموذج الأكثر ملائمة لمصالح العراق، ولعل في انفتاح العراق على الآخرين فرصة مهمة يحتاجها المتخاصمون أيضا ليمرروا رسائلهم عبره، فالعراق الذي يحتضن الزعامة الروحية لشيعة العالم وثقل النجف التاريخي وعقلانية مواقفها يجعلان منه وسيطا قادرا على تخفيف احتقانات المنطقة الطائفية والقومية والسياسية، وإذا ما اضطرب الإقليم الشرق الأوسطي فان ضمان سلامة العراق وحفظ أمنه يكون مرهونا بمدى إبقائه بعيدا عن سياسة المحاور، وإلا تحول العراق إلى ساحة حرب بالوكالة ستحرق الأخضر واليابس، وماسوريا عنا ببعيدة.