واشنطن ليست معنية
محمد عبيد
إنهاء الصراع العربي "الإسرائيلي” لا يقع ضمن دائرة اهتمامات واشنطن، والأدلة على ذلك أكثر من أن تورد، لكن الرد الأمريكي الأخير على مبادرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، التي تضع في الحسبان تحديد سقف زمني لإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، يثبت أن واشنطن ليست معنية بإنهاء الاحتلال، ولا تمتلك حتى الإرادة السياسية للضغط عليه ولو قليلاً، مع علمها ويقينها الكامل بأن ذلك قد يضعها في موقف محرج على صعيد دولي.
المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة سامنثا باور "صدمت” المجموعة العربية في المنظمة الدولية، عندما أبلغت ممثليها أن إدارة الرئيس باراك أوباما "لا ترحب” بمبادرة عباس، ما يعني أن المشاورات التي تجريها المجموعة العربية واستقراء آراء الدول حول المبادرة في سياق الإعداد لصياغة مشروع قرار يقدم إلى مجلس الأمن الدولي للتصويت عليه، قد تواجه في نهاية المطاف إذا وصلت إلى قاعة المجلس، ب”فيتو” أمريكي جديد يضاف إلى سلسلة لا متناهية من التصويت الأمريكي بالنقض ضد القضية الفلسطينية.
الإعلام الفلسطيني نقل عن مصادر دبلوماسية عربية أن ممثلة واشنطن أبلغت المجموعة العربية لدى عرضها المبادرة أمام عدد من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أن بلادها "ليست مع الفكرة، وكذلك فإن بعض الأعضاء الدائمين مترددون بشأن المبادرة خاصة بعد رفض الإدارة الأمريكية لها”.
الواقع يؤكد أن مبادرة عباس التي تتحدث عن مفاوضات مع "إسرائيل” خلال تسعة شهور، وانسحاب الكيان من الأراضي المحتلة خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات، لن تجد دعماً أمريكياً، ومرد ذلك أن واشنطن ومن خلفها "تل أبيب” متفقتان ضمناً وصراحة على إطالة أمد الصراع، حتى يتم للاحتلال ما يريد من قتل مشروع الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة عام ،1967 من خلال المزيد من عمليات نهب الأراضي والتوسع الاستعماري السرطاني الذي يجتاحها، وتثبيت وإنهاء مخطط تهويد القدس المحتلة.
والأكيد أن هناك إرادة سياسية أمريكية، لكن توجهات هذه الإرادة ليست مع التوجه الفلسطيني والعربي، وإن حاولت واشنطن أن تغلف الأمور أحياناً بشيء من الأكاذيب والشعارات الفارغة، عن الحرص على الأمن والسلام في المنطقة العربية، من خلال وضع حد لهذا الصراع التاريخي.
أما بالنسبة لعرض المبادرة على مجلس الأمن، والأحاديث عن تردد بعض الأعضاء حيالها، نتيجة للموقف الأمريكي، فإن الأمر ليس بحاجة إلى إسهاب في التحليل، فمثل هذا المجلس الذي تسيطر على ثلثيه قوى استعمار تقليدية لم تؤمن يوماً بحق الشعوب في تقرير المصير، وهي التي طُردت من الأرض العربية بعد كفاح وثورات وملايين الشهداء، وهي من أسّس للكيان المحتل في الجسد العربي، لا ينتظر منه أن يقف إلى جانب حقوق الشعوب المحتلة في وجه الاحتلال، فما بالك إن كان الأخير صنيعتها وربيبتها "المدللة”؟
ليس هناك أدنى شك في أن تلك القوى التابعة لواشنطن تجد مجالاً لمحاولة استعادة ماء وجهها أمام الفلسطينيين والعرب، في كل مناسبة يسقط فيها قرار لمصلحة الفلسطيني بضربة "فيتو” أمريكية قاضية، كونهم يكتفون بالامتناع عن التصويت في أغلب الأحوال، ما يعني أنهم يحاولون الظهور بصورة حيادية، في مسألة لا يعني الحياد فيها إلا أمراً واحداً، يتمثل في الخضوع التام لإملاءات الاحتلال، والدعم الكامل لمخططاته وجرائمه.