صحوة الضمير هل تنفع "إسـرائيل"؟
د. عايدة النجار
الأرقام المعززة بالأفعال، تلفت نظري دوماً وتجعلني أقف لأقرأها. فمثلاً، الرقم 1948 محفورة في وجداني تحمل عام النكبة وما يحمله من مشاعر أليمة شخصية وعامة بسبب حرب الاستعمار الصهيوني على فلسطين، والرقم، 1967، تجدد المشاعر السلبية التي يحملها عام حرب استولت فيها "إسرائيل" على ما تبقى من القدس، وغيرها من الأراضي الفلسطينية. أما الأرقام الكثيرة المتعلقة بالوجع الفلسطيني خلال هذه السنين وبعدها تجعل الذاكرة تزدحم بها ولا مجال لعدها. أخر التي حفرت في ضميري وذاكرتي أرقام البيوت التي هدمت في حرب غزة الأخيرة وعدد الناس الذين استشهدوا من الأطفال والنساء والشباب والشيوخ. ولعل للرقم 51، عدد أيام الحرب على غزة وشعبها المحاصر, الذي سجل بالدم صموده وليظل وصمة عار في التاريخ الأسود للوحشية الاسرائيلية. أما الرقم 72, وهو الرقم الذي ظل يستفزني فهو, عدد الساعات لاستراحة "هدنة" ليتمكن أهل غزة من سحب الأموات من تحت الأنقاض ودفنهم.قبل العودة للحرب الوحشية ضد أهل القطاع الصامد، مع رقم ال 24، لنفس السبب.
رقم جديد ذو صلة، الرقم 43 لفتني مؤخراً، وهو تقرير يضم مقابلات لجنود وضباط اسرائيليين نشرته صحيفة (يعدعوت أحرنوت) الاسرائيلية مؤخراً، قد يمر دون التوقف عنده من قبل الكثيرين. ويشير الى صحوة ضمير 43 ضابطا من وحدة النخبة في المخابرات العسكرية للجيش الإسرائيلي. رقم بلا شك يحمل في طياته مشاعر لأناس من "دم ولحم" انسحبوا عن سبق اصرار وهم يوضحون أسباب الصحوة وهو "تأنيب الضمير". لقد اسيقظ ضميرهم وإن جاء ذلك متأخراً بعد أن شاهدوا الجرائم الوحشية ضد أناس عاديين وأطفال أبرياء، بالإضافة لما قاموا به من ابتزاز للناس والضغط عليهم ليكونوا عملاء في غزة والضفة الغربية.. صحوة الضمير هذه، ظاهرة إيجابية متأخرة نرجو أن تساهم في تحريك ضمائر الآخرين الين يقتلون بدم بارد. لملموا ما تبقى من دم عنهم ليقولوا الحقيقة لنتنياهو وزمرته في الاستخبارات. أنهم شاهدو عيان على جرائم "إسرائيل" المتواصلة ضد الفلسطينيين. ولعل ما جاء في التقرير من شهادات ما جعلهم يشعرون بالخزي والعار والتجرد من أخلاقيات الحرب والسلم. الجرأة تأتي، من صحوة ضمير كان ميتاً بسبب التربية الصهيونية الحاقدة وغير الإنسانية والعنصرية الكريهة في البيت والمدرسة والمجتمع الإسرائيلي في دولة استعمارية محتلة.
بالإضافة، فإن صحوة الضمير ل43 ضابط، وانسحابهم من مواصلة عملياتهم الاستخبارية غير الأخلاقية، تأتي من دعوتهم بل وتحريض زملائهم في الوحدة اليوم وفي المستقبل، لرفع أصواتهم والاعتراض على الأفعال التي يقومون بها وتؤدي للظلم. بل رأوا أنها أيضاً تهدد مستقبل "إسرائيل" التي يعملون من أجلها. ولعل المفاجأة أن ال43 الذين وقعوا على التقرير، لم يشاركوا في الحرب الأخيرة على غزة، وتذرعوا بأسباب مختلفة. ولكنهم أيضاً يريدون من الإسرائيليين أن يتفهموا صحوة ضميرهم، ولا يعتبروها "حيانة" ل"إسرائيل"، وكما هو الحال في عقولهم التي كانت مغسولة كبقية الشعب الاسرائيلي.
"إسرائيل" تواجه اليوم، سلاحاً جديداً ممن لا يزال لديه المشاعر الإنسانية، التي تجعلة يندم، على فعلته، ويستطيع أن يرى الحق والباطل، والتمييز بين الصواب والخطأ. وهي أيضاً تعاني من هجرة معاكسة من الشباب الذي سئم الضحك على النفس، بعد أن خاب ظنهم أنهم في "دولة ديمقراطية" وأنهم يريدون السلام، كما يخدعون العالم. لقد أن الآوان ل"إسرائيل"، أن يصحو ضميرها، لكي لا تستمر في الاعيبها وهي لا تمثل للقوانين الشرعية وحقوق الإنسان من أجل رفع الظلم عن الفلسطينيين الذين تحتل أرضهم، وتحاول فناءهم في حروبها التي تسجل الأرقام الحسابية وغير الإنسانية دون توقف.!!