عبد اللهيان إلى بيروت خلال أيام دعماً للتفاهم اللبناني
داود رمال
ثمة حديث عن تقدم ملحوظ حققته الزيارة "الاستثنائية” التي قام بها مساعد وزير الخارجية الايراني للشؤون العربية د. حسين امير عبد اللهيان لجدة قبل عشرة أيام، من شأنه فتح الباب أمام المزيد من التواصل السعودي ـ الايراني للبحث في ملفات المنطقة المتشعبة والمتداخلة من العراق الى اليمن والبحرين وسوريا وصولا الى لبنان.
هذا التقدم استوجب على المستوى الايراني تحركا باتجاه عواصم لها الاولوية في المتابعة والاحاطة، وابرزها بغداد وبيروت ودمشق، وذلك في موازاة الاتجاه الدولي لتشكيل تحالف اممي في مواجهة الارهاب "الداعشي” الذي يتمدد كالفطر في كل الاتجاهات.
وكشف مصدر ديبلوماسي معني لـ”السفير” ان عبد اللهيان سيزور بيروت في الاسبوع المقبل ومن ثم دمشق، حيث سيركز لبنانيا على اهمية تحصين الوضع الداخلي والتشجيع على الحوار والتواصل للتفاهم حول الاستحقاقات الداخلية مع ابداء كل الاستعداد لمساعدة لبنان في كل ما يطلبه لا سيما على صعيد مواجهة الارهاب.
وأوضح المصدر أن وزير الدفاع الايراني وجه دعوة رسمية لنظيره اللبناني سمير مقبل لزيارة ايران للبحث في كل ما يحتاج اليه لبنان وتحديدا على مستوى التسليح والتجهيز وأكد ان القرار الايراني "قائم بتلبية كل ما يطلبه لبنان على هذا الصعيد ومن دون اي مقابل”.
وأوضح المصدر "ان مروحة لقاءات عبد اللهيان في بيروت ستتوزع بين عدد من القيادات الحكومية والنيابية والحزبية بهدف وضع الجانب اللبناني في اجواء ما تم التوصل اليه في المحادثات الايرانية ـ السعودية، كما سيضع الجانب اللبناني في تطورات المحادثات مع الغرب حول الملف النووي الايراني والجهود المبذولة للتوصل الى نتائج ايجابية قبل تشرين المقبل”.
ولفت المصدر الانتباه الى ايجابية في الموقف السعودي لمسها عبد اللهيان خلال زيارته الاخيرة لجدة، وأمل أن ينعكس ذلك على الملف اللبناني، ملمحا الى نوع من المرونة يمكن البناء عليها في صوغ تفاهم يفضي في المدى المنظور الى اتمام الاستحقاقات اللبنانية لا سيما انتخاب رئيس جديد للجمهورية "بعدما ايقن الجميع ان ملء الشغور في سدة الرئاسة الاولى هو المدخل لكل القضايا العالقة راهنا ومن شأنه أن يفتح الباب أمام اعادة انتظام عمل المؤسسات الدستورية”.
وأوضح المصدر "ان المبادرة الاخيرة لقوى 14 آذار حول الملف الرئاسي ما هي الا نتيجة اولية للحراك السعودي القابل للتطور، كما أن ايران ستعمد الى تقديم النصيحة لحلفائها وفق المعطيات المتوفرة لديها والتي من شأنها ان تعيد تحريك مياه التفاوض اللبناني ـ اللبناني حول الملف الرئاسي تحت العين السعودية والايرانية، كما ان ذلك سيؤدي الى تطويق محاولات شيطنة الواقع اللبناني من خلال فرض اجواء توتر دائم والايحاء بأن نفوذ المجموعات الارهابية المسلحة الى مزيد من التطور، فأي توافق بين السعودية وايران سيضيق الهامش على الارهابيين ويزيد من عزلتهم”.
وأشار المصدر الى ان "العلاقة الايرانية ـ السعودية وضعت على السكة الصحيحة وقطارها انطلق وإن ببطء ووفق جدول لقاءات تقرر عقدها بين المسؤولين في كلا البلدين، والدليل الابرز على التطور الايجابي في هذه العلاقات، هو انه عندما تأكد الاميركيون من ان الامور ايجابية بين الرياض وطهران، لم تتأخر الولايات المتحدة الاميركية في فرض عقوبات جديدة على ايران، للايحاء بأن الاتفاق حول الملف النووي لا يسير بشكل طبيعي، ولعل ذلك يؤدي الى خلط اوراق جديدة عبر "خربطة” التقارب الايراني ـ السعودي”.
يذكر أن الجانبين السعودي والايراني تفاهما على لقاءات ثنائية تبدأ بزيارة لوزير الخارجية محمد جواد ظريف لجدة ومن ثم زيارة لنظيره السعودي الأمير سعود الفيصل لطهران، على أن يتوج هذا المسار بزيارة للرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني الى السعودية، ومن غير المستبعد أن يتم تعديل المسار للاستفادة من محطة نيويورك من 23 أيلول الحالي وحتى 30 منه، حيث سيعقد لقاء أو أكثر بين ظريف والفيصل من دون استبعاد احتمال مفاجآت أخرى كتلك التي رافقت زيارة روحاني الأولى للأمم المتحدة في العام الماضي والتي توجت بالاتصال الذي جرى بينه وبين الرئيس الأميركي باراك أوباما قبل انتهاء الزيارة بوقت قصير.
عودة الحرب الباردة؛ الجيش الأحمر في سوريا؟
ناهض حتر
تتجه روسيا إلى تغييرات عميقة في عقيدتها الدفاعية؛ ستعتبر الولايات المتحدة والناتو الخطر الرئيسي المحتمل. هذا هو العنوان العريض؛ يستلزم ذلك وقف التعاون في التسليح والتنسيق العسكري والأمني مع الدول الغربية، وسيكون بإمكان القوات الروسية القتال خارج الأراضي الفدرالية؛ ضد القوى التي تهدد الناطقين بالروسية ومصالح موسكو، كما ضد القوى الإرهابية.
وصل الروس إلى قناعة راسخة بأن الغرب لا يريدهم شركاء، ولا مستقلين؛ بل يخطّط لمنع روسيا من التحوّل قطباً دولياً. ردّ الناتو في أوكرانيا على التحدي الروسي في سوريا في سياق هجوم منسق على الغلاف الجيوبولوتيكي لروسيا؛ عضويات وصواريخ وأسلحة وجنود الناتو على الحدود؛ كأنه سعي لحصار عسكري يرافق الحصار الاقتصادي. بذلك، لا تعود الحرب الباردة فقط، بل حرب نصف ساخنة. لن تقف التطورات عند استحداث عقيدة دفاعية جديدة، بل لا يمكن لموسكو أن تتجاهل ضرورة العودة إلى عقيدة اقتصادية قديمة ــــ جديدة، تقوم على نمط لم يتبلور بعد من رأسمالية الدولة القومية، وتسريع الإطار الاقتصادي الدولي المنافس للغرب، أي مجموعة البريكس، والشراكات مع دول أخرى، أهمّها إيران.
يدعم الروس طهران في الملف النووي، وهناك عقود في مجالات عدة، منها بناء مفاعلين نوويين جديدين، وثمة تطابق في وجهات النظر حول مجمل القضايا الدولية والإقليمية. لكن موسكو ليست واثقة، بعد، من أن الإيرانيين سيحسمون خياراتهم الاستراتيجية؛ هناك تيار إيراني يغازل الغرب، ويفضّله، وتيار آخر يغازل الإخوان المسلمين والاسلاميين الذين يعتبرهم الروس خطاً أحمر. في المقابل، ستتجه الولايات المتحدة إلى إغراء إيران؛ فالتحالف الروسي ــــ الإيراني يشكّل كارثة للغرب في منطقة تمتد من أفغانستان إلى لبنان. يمكن للدولتين الحليفتين أن تفرضا شروطهما كما في سوريا. على المحك الآن، مقاتلة "داعش” والتنظيمات التكفيرية: هل سيتم السماح لواشنطن بتجميع حلفائها الإقليميين ــــ بمن فيهم الإسلاميون "المعتدلون” الذين يحاربون النظام السوري ــــ في ائتلاف ضد "داعش”، يخلط الأوراق، ويعيد صوغ هيكلية النفوذ الأميركي في المنطقة؟ هل ستكون إيران عضواً واقعياً في هذا الائتلاف؟ أم يمكننا التنبؤ بائتلاف روسي ــــ إيراني ــــ سوري، ينتقل من التنسيق السياسي والدعم والتسليح إلى عمل عسكري مشترك؟
يسعى باراك أوباما إلى بناء ائتلاف مضاد للإرهاب، يضم دولاً قدمت للمجموعات الإرهابية الدعم المالي واللوجستي والتدريب والتسليح... الخ، كالسعودية وقطر وتركيا والأردن، بالإضافة إلى تنظيمات إرهابية تعمل في سوريا. إنها، في الواقع، عملية ضبط بالقوة وإعادة توجيه تنظيمي للإرهاب نحو الالتزام بخدمة مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، في حرب طويلة تسمح للأميركيين بالتدخل حيثما يريدون؛ هل تقف موسكو مكتوفة الأيدي، خصوصاً أن إعادة توجيه الإرهاب ستشمل، الآن، الأراضي الروسية؟
تهتم روسيا اهتماماً خاصاً بمصر، الحليف القديم والبلد الذي حصل الآن على حيّز من الاستقلال في الحركة، خارج النفوذ الأميركي. لكن القاهرة لا تزال في وضع ملتبس وغامض في علاقاتها الدولية. تصوّروا أن مصر غير مدعوّة بعد للانضمام الى الائتلاف الأميركي ضد الإرهاب، بينما تعتمد السعودية، بالدرجة الأولى، على القوة المصرية، للتوازن مع إيران، ولدرء خطر "داعش”.
"داعش” تشكل خطراً حقيقياً على الكيان السعودي؛ فهي تستعيد وهّابيةً أولى صافية من التعديلات والضغوط الملكية: "داعش” تمثّل، من جهة، التجسيد الحيّ للثقافة العميقة المسيطرة في السعودية، وتختزن، من جهة ثانية، مزيجاً من الاحتجاجات الشعبية والقبائلية. ويعرف آل سعود، قبل سواهم، أن انقلاباً "داعشياً” هو حدث ممكن في المملكة: هل تواصل الرياض الثقة بالحماية الأميركية، أم تتجه إلى استدعاء الجيش المصري، خارج الائتلاف الأميركي، وبدعم تسليحي روسي؟
هل يمكن استمرار السماح بتداخلات من هذا النوع: تفاهم أميركي ــــ إيراني وتفاهم روسي ــــ مصري، وتنسيق واقعي مع دمشق ضد "داعش”؛ أم أن الحرب الباردة، ستعيد ترتيب الاصطفافات على أساس مواجهة مفتوحة بين معسكرين متصارعين لا يسمحان بالتشريك حتى الميداني؟
العقيدة الدفاعية الجديدة لروسيا، ستحسم، نهائياً، القضية السورية كقضية أمن قومي بالنسبة لموسكو؛ لم يعد ممكناً. ليس فقط التسامح إزاء امكانية خسارة الحليف الثابت الوحيد في المنطقة، بل أكثر بكثير: لم يعد ممكناً السماح بإطالة الحرب السورية واستنقاعها، كما في المخطط الأميركي؛ يفرض ذلك، انتقالاً من مرحلة الدعم السياسي وتكثيف التسليح، كماً ونوعاً، إلى مرحلة المشاركة.
سبق للطيارين الروس أن قاتلوا في سماء القاهرة ودمشق ضد العدوان الإسرائيلي. يمكنهم الآن العودة للقتال ضد الإرهابيين. يمكن، أيضاً، أن يتحمل الجيش الأحمر مسؤولية الدفاع عن الساحل، بما يسمح للقوات السورية، التحشيد لمعارك فاصلة في الشمال والجزيرة الفراتية.
تخطى النظام السوري مرحلة الخطر منذ زمن؛ لكن سوريا مستقرة موحّدة آمنة قوية، يُعاد بناؤها بروافع روسية صينية إيرانية، أصبحت، اليوم، ضرورة استراتيجية عاجلة للعقيدة الدفاعية الجديدة لروسيا.