أميركا وتكنولوجيا إعلام صناعة الموت والقتل...!
القسم الثاني والاخير
وبطبيعة الحال، فإنَّ شلّ التفكير أو تعطيله وتعطيل أي إمكانية للتحرك، كل ذلك يقود إلى الخنوع والذلّ والقبول بالأمر الواقع مهما كان قاسياً، والوصول إلى التسليم بأنّ "الشعب لا يستحق الديمقراطية” بل يستحق أن يحكم بالقوة وبالسيف كما يُقال.
هذا ومن خلال ما تقدّم عرضه من هذه الاستراتيجيات التسع، نرى أنها تطبق فعلاً على الكثير من دول العالم الثالث، وبصورة خاصة على منطقتنا العربية، لاسيما من حيث تركيز وسائل الإعلام الأجنبية والعربية الموالية لها على الكثير من النقاط الواردة في هذه الاستراتيجيات.
فالملاحظ قبل كل شيء تحويل انتباه الرأي العام العربي عن مشكلة الأمّة، وتبديل هوية الصراع العربي الصهيوني ليصبح صراعاً عربياً عربياً، ثم العزف على الوتر الطائفيّ، ثم تشجيع الإرهاب في بعض الدول العربيّة عبر خلق بؤر إرهابية ومدّها بالمال والسلاح وتبرير إرهابها تحت أبواب المطالبة بالحريّة والديمقراطيّة..
ومن ثم سياسة الإفقار المتّبعة من قبل العديد من الأنظمة العربية تجاه مواطنيها وتفشّي البطالة والفساد، هذا إلى جانب الاستهتار بالشعوب واعتبارها غير قادرة على تقرير مصيرها بنفسها أو التشكيك بقدرة الإنسان العربي على اقتراح الحلول لمشاكله عبر تصويره بأنه إنسان يفتقد المبادرة والذكاء.
ومن واقع الادعاء بالحرص على الشعوب والثورات التي حصلت في العالم العربي، تنظر أميركا إلى ما يحصل في الدول العربية التي اجتاحها "الصقيع العربي”، على أنه استجابة لما تطرحه من دعوات للديمقراطية وفق ما جاء على لسان أحد المحللين السياسيين في صحيفة "نيويورك تايمز”.
وبالطبع ترى واشنطن من زاوية هذا المنطق، وإن كانت تخفي ذلك أحياناً أنها معنية في الوضع الداخلي العربي...
وتسعى إلى ترميم مواقعها التي انهارت بعد ما حدث من ثورات في مصر وتونس واليمن... لذا كانت ليبيا مدخلاً للتدخل المباشر ونهب مقدرات النفط الليبية.
ومن ثمّ وتلاقياً مع أهدافها تسخر التكنولوجيا "الصورة” ومن جانب واحد لتعرض لنا ما يخدم سياساتها وإستراتيجيتها في المنطقة العربية والإسلامية.
وتتقاطع مع من ينفذون هذه المخططات على الأرض عبر مدّهم بكل وسائل التطور. ولنلحظ هنا أن من توفر لهم أميركا هذه الأجواء ومعها بالطبع فرنسا وبريطانيا منغمسون إلى حد النخاع بمشروعها...
وهم أصلاً بعيدون كل البعد عن الواقع الحقيقي للشعوب العربية وتطلعاتها.
وبالطبع من الصعب أن تجد آثار الغزو اليومي تأثيرها دون توفر عنصر رئيسي وهو وجود الجسور المحلية الإقليمية والداخلية للغزو في البلدان الأخرى..
فالأنظمة السياسية التابعة للمراكز الاستعمارية الغربية والأميركية، تقوم بعملية الترويج للغزو الإعلامي وتصوغ مؤسساتها الإعلامية والثقافية وفق مضمون الغزو الامبريالي الإعلامي..
ووسائل الإعلام المحلية التي تقوم بعملية الضخ اليومي لبرامج المركز الغربي، تحاول إعطاء وسائلها طابعاً "محلياً” وتدعي الحيادية والموضوعية بهدف زيادة التأثير من خلال الاندماج والتماهي.
بينما نجد في برامجها الإخبارية عملية تشويه الأحداث بصورة فظيعة، يمتزج فيها الكذب بالحقيقة وفي حالات معينة يكون الحدث صحيحاً وينقل بصورة تشبه الحقيقة ولكنها تأخذ في مجمل الوضع لتصبح مشوهة في نهاية الأمر وبالتالي يحصل المتلقي على معلومات غير صحيحة وكاذبة، المهم أن يدفع لسلوك منسجم مع المعلومات المفبركة.
يقول أحد المنظرين الصينيين في علم الاتصال:” الحرب الإعلامية هي فن النصر دون حرب”. ولكن الحرب الإعلامية ليست سوى المقدمة الضرورية لتحقيق النصر، وإذا لم تجد في تحقيق الهدف، على الإعلام أن يمهد المناخ المناسب لشن الحرب العسكرية أملاً في تحقيق النصر.
ومن واقع معرفتي بالمطبخ الصحفي العربي أدرك أن هذه المطابخ تبحث وتنقب عن خبر هنا وهناك ومسيرة هنا وأخرى ربما لم تحدث...
لتقول ما ترغب فيه وليس ما يرغب فيه الشارع. وأعتقد أن بعض الإعلام العربي قد دخل في لعبة السياسة ودهاليز التآمر وكشف عن أنيابه...
معيداً إلى الأذهان ما قيل وكتب عن أهداف صُنعت لأجلها تلك المحطات... وهذا ليس من ضروب الرومانسية أو المغالاة في القول...
إنما يستند إلى معرفة علمية تقرأ واقع التمويل لكثير من تلك المحطات التي تغزو العقل في مواد دسمة حيناً وأخرى كالحية الرقطاء.
نعم نحن أمام حرب فضائيات عربية كشفت عن أنيابها بعد أن تسللت إلى غرف نومنا وأقنعتنا لزمن طويل أنها تنشد حرية الكلمة... ومن يعمل وعمل في تلك المحطات يعرف أكثر مني بحريتها التي أُلبست ثياباً من خداع وتضليل.
وقد يطل علينا من يرغب في دحض أقوالنا ويقول نحن نتحدث من زاوية واحدة فقط دون النظر إلى إنجازات هذا الإعلام العربي...
وحضوره القوي ومهنيته التي لا يشق لها غبار...
ولكن أقول هنا علينا التفريق في قراءة ما يذهب إليه الإعلام الذي يقول عن نفسه إنه مهني وحيادي وما يصنعه من فوضى إعلامية تبعده كل البعد عن جوهر الحقيقة...
فالحقيقة التي يجب أن يسعى إليها الإعلام خدمة للكلمة الحرة والرأي ليست بفتح النار الإعلامية على كل من يختلف برأيه مع هذه المحطة أو تلك...
المهم أن الخطاب العربي، الإعلامي وغير الإعلامي، لم يتوجه حتى الآن بشكل قوي، ولم تمس مصالحه، ولم نجد تأثيراً عربياً يجعله يشعر بالأعباء التي يلقيها عليه تبني حكومته للصهيونية، وتجاهلها لمصالحه لدى ٣٠٠ مليون من العرب، ولم تتوضح للأمريكي حقيقة الصراع في منطقتنا، ولم تعرض له حقائق قضية الشعب العربي الفلسطيني، وحقوقه، ومآسيه... وآلامه...
إن العرب يملكون من الثروات الشيء الكثير، ولاسيما في مجال الطاقة التي تحتاجها كل دول العالم، بما فيها أمريكا، الطاقة التي لا غنى لأية دولة عنها التي يمكن أن توفر كثيراً من الثروة المالية التي لم يحسن العرب استثمارها حتى الآن.
وإن سحب مجموعة من أثرياء عرب أموالهم من بنوك أية دولة غربية، كاف لتعريضها للأزمة، لكن من هي الدولة العربية التي فكرت باستخدام ولو جزء بسيط من أموالها النفطية لتسجيل موقف سياسي يصب في خدمة قضايا العرب؟!
باختصار نقول: لم يعد ممكناً ـ كما قلنا بداية ـ أن يخفى أصغر خبر... ولم يعد مستحيلاً أن نكتشف ونقرأ عناوين الإرهاب الأميركي...
والزعم بدعم التواقين للديمقراطية... فديمقراطية أوباما خبرها أهل العراق ولبنان وفلسطين واليمن وسورية ومصر...
والفلسطينيون يشاهدون بالوقائع ديمقراطية أوباما على أرض فلسطين مجسدة بجدار الموت الصهيوني والاستيطان والتهويد، وبالمجازر التي ترتكبها الآلة الحربية الإسرائيلية في غزة المحاصرة.
هي إذاً تكنولوجيا صناعة الموت والقتل... وقد خبرنا كغيرنا تلك الصورة البشعة...
ولن تبيضها كل أفلام هوليوود... فالعالم استيقظ ويصنع ثقافة كونية إنسانية بعيداً عن الكاوبوي ورصاص مسدسه الذي لا يفرغ.
المصدر : جريدة آفاق مصرية