kayhan.ir

رمز الخبر: 63207
تأريخ النشر : 2017September12 - 22:13

إيران وروسيا.. زواج المصلحة في سوريا والهاجس الإسرائيلي


سركيس ابو زيد

الواقع في سوريا يتغيّر بسرعة في الفترة الأخيرة في أعقاب انهيار تنظيم "داعش" الذي سيفقد خلال فترة معينة مواقعه في سوريا، فالحرب السورية تقترب من "نقطة النهاية" والفائز فيها سيكون تحالف روسيا-إيران-الرئيس الأسد-حزب لله. فالرئيس السوري بشار الأسد باقٍ ويستعيد السيطرة على أجزاء واسعة من الأراضي السورية، وهذا التحسن في وضعيته عائد الى جملة عوامل آخرها انكفاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الملف السوري لانشغاله بقضايا داخلية وبالملف الكوري، إضافة الى توقف بعض الدول العربية عن دعم المعارضة المسلحة في مقابل ثبات التدخل الروسي ووقوف إيران بكل قوة الى جانب النظام.

بشكل عام، ثمة مصلحة قوية لكل من موسكو وطهران في إنقاذ النظام السوري، لكن كل طرف يطرح حججاً مختلفة لتبرير ذلك، ويتمثل الدافع الأكبر وراء التحرك الروسي لدعم الرئيس الأسد في المخاوف الأمنية والمواجهة مع الغرب وخطط بوتين لإعادة بناء روسيا كقوة عالمية مؤثرة.

وبالنسبة لطهران، من المعتقد أن استراتيجيتها تجاه سوريا جزء من استراتيجية أكبر ترمي إلى ضمان نفوذ إيران على المستوى الإقليمي، ضمن مفهوم "سلسلة الدفاع" التي تتألف من لبنان وسوريا والعراق واليمن.. وتبعاً لهذه النظرية، فإن هذه الدول تشكل خط مواجهة أمامي للدفاعات الإيرانية في مواجهة خصوم دوليين وإقليميين للجمهورية الإسلامية يسعون بدأب لتقويض نفوذها داخل الشرق الأوسط.. وعليه، وجدت إيران نفسها مع روسيا في معسكر القوى الدولية ذات المصلحة في بقاء النظام السوري.

في تقرير للباحث والمحلل الروسي "نيكولاي كوزانوف" في "تشاتام هاوس" (لندن) ورد أن ثمة عوامل جيواستراتيجية دعمت بالفعل تعزيز التعاون الروسي - الإيراني داخل سوريا.. كان لطهران السبق في إمداد النظام السوري بالأسلحة والمال و"المتطوعين"، في الوقت الذي حاولت روسيا بادئ الأمر الحد من مشاركتها في الأزمة السورية وقصرها على الدعم الدبلوماسي للرئيس الأسد.. ومع بداية المشاركة العسكرية الروسية المباشرة في سوريا، تراجعت إلى حد كبير الأعباء على كاهل إيران، من خلال إحداث تغيير راديكالي في توازن القوى لصالح دمشق.

نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف يردّ بسخرية عما يُقال عن وقوع خلافات بين دولته وإيران نتيجة اشتراكهما معا في الملعب السوري المفتوح، وقد سمعت منه شخصيات لبنانية كلاما يفيد أن الخطوط العامة والكبرى يتفق عليها الجانب الروسي مع إيران، "ولا تتوقعوا حصول خلافات مع طهران"، ويعترف في الوقت نفسه بحصول تباينات بين الدولتين على قضايا عدة في سوريا "لكنها في النهاية لن تصل الى حدود المشكلات الكبرى".

وإزاء هذه التطورات اضطرت "إسرائيل" في الأسابيع الأخيرة لإعادة تقويم الوضع في سوريا في ضوء التطورات المتلاحقة والوضع المتغيّر بسرعة بعد انهيار تنظيم "داعش"، والذي يفرض عليها تغييرا في التقديرات والأولويات والسياسات ودرجة الاستعدادات، وفي قواعد اللعبة.

فمعركة جرود القلمون كانت مصدر قلق لـ"إسرائيل" التي رأت فيها تداعيات ونتائج خطيرة بعيدة المدى عليها، ذلك أن سيطرة الجيش السوري وحزب لله على الحدود السورية - اللبنانية يستكمل عاملا آخر في العملية الاستراتيجية الإيرانية لإيجاد تواصل جغرافي بين إيران ولبنان يكون تحت سيطرة حلفاء إيران، ويجعل المعركة التي تديرها "إسرائيل" لمنع نقل الأسلحة النوعية من سوريا الى حزب لله في لبنان صعبة جدا، ويضاف الى ذلك أن التعاون بين الجيش اللبناني وحزب لله والجيش السوري يشير الى تغيّر في السياسة اللبنانية، حتى وإن لم يعلن ذلك على الملأ.. و"إسرائيل" قلقة من أن يصبح هذا التعاون موجها ضدها في المستقبل.

مصادر في تل أبيب كشفت أن الوفد الإسرائيلي الرفيع الذي قاده رئيس "الموساد" وغيره من قادة الأجهزة الأمنية، أجرى مؤخراً محادثات مع مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض في واشنطن، حيث قدّم معلومات استخباراتية حساسة وموثوقًا بها، تدعمها وثائق تظهر صورة عن الانتشار الإيراني المتنامي في سوريا.. وتم عرض المواد أمام الأميركيين استعدادا للتسوية المتوقعة بين واشنطن وموسكو، التي من المفترض أن تضع حدا للقتال في سوريا.

مصدر مطلع على المحادثات أوضح أن الوفد قال للأميركيين: "إذا لم يطرأ التغيير الملموس على نهجكم، وإذا لم تنخرطوا بشكل أكبر، وأكثر حزما، وأكثر عدوانية، فإنكم ستتركون الشرق الأوسط للإيرانيين برعاية روسية".

مصادر مطلعة أكدت رفض الولايات المتحدة الالتزام بتضمين الاتفاق حول إنهاء الحرب السورية، شرطا يقضي بإجلاء قوات الجيش الإيراني المنتشرة هناك.. والانطباع في" إسرائيل" هو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب، وبسبب كثرة مشاغلها في قضايا داخلية وخارجية ملحة، لا تجد الوقت الكافي للاهتمام بهذا الموضوع، وتعتبره غير مستعجل، بدعوى أن إيران غارقة في الحرب ضد "داعش"، وهذا ما دفع "إسرائيل" إلى تركيز جهودها نحو الكرملين بأمل أن تجد موقفا أكثر ليونة من الرئيس الروسي بوتين.

وبحسب صحيفة "برافدا" الروسية، يوجد اختلاف في توصيف العلاقة القائمة بين روسيا وإيران، وبينها وبين "إسرائيل"، إذ تنقل أن بوتين شدد أمام نتنياهو على أن "إيران هي حليف استراتيجي لروسيا في الشرق الأوسط، بينما "إسرائيل "هي شريك مهم بالنسبة إليها، في المنطقة".. فالعلاقة مع طهران تتجاوز الساحة السورية، وهي تتصل بالمنطقة، وتعد إيران من ناحية موسكو رافعة التوازن مع الأميركيين وحلفائهم، ومن بينهم "إسرائيل" نفسها.

ووفقا للمعلومات، فقد أخفق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في إقناع بوتين بطرد إيران وحزب لله من سوريا، وهذا الأمر يفسر ما قصده السيد حسن نصرلله بقوله مؤخراً بأن للمقاومة الكثير من المهام المقبلة وتريد الانتهاء سريعا من معركة الجرود، وهذا ما يفسر أيضا حالة الإرباك وعدم التوازن في مواقف رئيس الحكومة سعد الحريري الذي خفض من وتيرة التصعيد مع حزب لله، ويحاول في هذه الفترة الرمادية التراجع خطوة الى الوراء.

في النهاية، علاقة كل من روسيا وإيران تتسم بقدر بالغ من البراغماتية بخصوص تعاونهما في سوريا، ويعي كل منهما تماما حقيقة الأهداف الكبرى للطرف الآخر من وراء المشاركة في سوريا، ومدى الاختلافات بين أهداف كل جانب. وبالتالي، عقدت موسكو وطهران "زواج مصلحة" بينهما يحاول في إطاره كل جانب تحقيق مصالحه بمعاونة الطرف الآخر.. ولا يزال من المبكر للغاية الحديث عن ظهور تحالف روسي - إيراني كامل داخل سوريا، رغم قوة العوامل التي تدفع البلدين تجاه بعضهما البعض، فإن "زواج المصلحة" القائم بينهما يعتمد استمراره على عدد من العوامل المتنوعة، وبالنظر إلى أن الطرفين أجبرا على التعاون معاً داخل سوريا وأن ثمة اختلافاً في دوافعهما وراء ذلك، بجانب إدراكهما لحقيقة أن بناء تحالف كامل بينهما قد يضر بعلاقاتهما بأطراف أخرى، فإنه يمكن القول بأن التعاون الروسي-الإيراني وصل بالفعل الحد الأقصى الممكن له.